السبت، 2 سبتمبر 2023

ليالٍ مثلجة

 ثلج-ليالي-ضباع-ريح-طفلة-أخ-رجل-ثلج-دم-أم-صبر-رغبة-خوف-تين-شجرة-زيتون-كرم-

ليالٍ مُثْلجة

أوّلُ يوم:

كانت ليلة عاصفة باردة نَفَثَتِ الرّيح فيها كلّ ما في جعبتها من القسوة، وصرّت بأنيابها محاولة كسر الحواجز حتى اعتقدت تلك الطفلة الصغيرة المستلقية في فراشها أنَّ وراء الشبابيك وحشا مفترسا أو أشباحا مخيفة تحاول كسرها والدخول للمنزل ...

أغمضتْ عينيها بخوف وهي تتخيل كلَّ ما في ذاكرتها من مخلوقات مخيفة:

غول، تنين، مستذئبين، مصّاصي دماء، زومبي، أشباح ....

وتساءلت: كيف ستهرب لو اقتحمت تلك المخلوقات غرفتها؟ فقدمها متورمة وتؤلمها بشدة وهي لا تدري ما السبب، ربما قد داست على شيء ما...

غفتْ وهي تصغي بخوف لِطَرَقات الرّيح متخيلةً إيّاها كلَّ ما أبدعته جعبتها الصغيرة.

فتحتْ عينيها ببطء وهي تسمع بلبلة أهلها حولها، وقبل حتى أن تسأل باغتتها أمّها بهزَّةٍ من ذراعها وهي تقول:

-انهضي! الثلج يغطي كلّ شيء في الخارج ويتساقط بغزارة، وأخوكِ يصنع تمثالا كبيرا من الثلج!

ابتسمت وجلست في فراشها مُحدِّثةً نفسها: أخيرا الثلج!

 

نهضتْ وحاولت ارتداء جزمة أو حذاء ثقيل حتى لا تبرد ولكنّ قدمها كانت متورِّمة ولم يناسبها أي حذاء أو حتى جورب، وأمّها منعتها من الخروج حتى لا تتأذى...

تناهى لسمعها أصوات أخوتها مع أبناء الجيران في الخارج يتضاحكون ويصرخون ويقذفون بعضهم بكرات الثلج، وبدا المكان بالخارج يعجّ بالزّحمة والضّجيج بينما بدا المنزل موحشا مظلما كئيبا صامتا...

 

وبعد صبرٍ صارعَ الرغبة ثم تراجعَ منهزما، انتعلت أخيرا حذاء أبيها المنزلي الكبير والمفتوح من الأمام، وبدأت تخطو فيه كقطّة جريحة،

حاولت الاستناد على الجدران وعرجت ببطء حتى لا تنزلق قدماها فوق الممر المُبتل الذي فتحه أهلها في الدّرب إلى الباب الخارجي.

وقفت عند عتبة باب الدّار الخارجية ورفعت نظرها...

كأن شيئا خاطِفًا وجميلا اجتاح قلبها عنوة وفتح صدرها دون ألم، وتغلغل شعورٌ بالسعادة الساكنة في شرايينها إلى تلك الخلايا الرماديّة الصّغيرة في المخّ...

في تلك اللحظة جالت عيناها بكلِّ ما أوتيت من بصرٍ و بصيرة في ذلك البياض الملائكي الذي كسى أسطح البيوت و الأرض والشّجر والدّروب، والغريب أنّ السّكون كان طاغيا رغم كل الأصوات! كأنه وشاحٌ شفاف مضاد للصّوت والضّجيج...

 

: تنقَّلتْ نظراتها بشكل بانورامي ماسحةً كلّ جغرافيا المكان

الأفق هناك في البعيد تَعانَقَ بلا حدود مع السّماء البيضاء التي شابتها ضربات رمادية بكلّ تدرجات الرمادي...

أشجار الزيتون في البقعة الواسعة أمام المنزل تتدلّى أغصانها وهي تنوء بالبياض، وأسرابٌ من عصافير الدُّوري تزاحمت في البقعة التّرابية الحمراء الدّائرية حول كلِّ شجرة -والتي لم تصلها الثلوج- وكأنّها تحتمي من ذلك الفراغ الأبيض البارد حولها، وتُزقزق مصدرة ضجيجا هائلا...

 

شجرة تين ضخمة هائلة عارية وقفت شامخة عالية وحيدة في كرم الزيتون، تلك التّينة المُعمِّرة لطالما كانت ملجأها ومأواها، تتسلق ذلك الجذع الضّخم الفضي، و تفترش غصنا قوياً من تلك الأغصان عندما تورق ثم تُثمر، فتجلس وأرجلها تتدلى -لتهزم رغبتُها صبرَهَا الطفولي كالعادة - وتتناول الثمار قبل نضوجها ثم تتورّم شفتاها من حليب الثمار غير الناضجة، وتبقى في ألم لا يزول سريعا لكنّها تنساه في بداية إثمار كلّ عام، فتعود لفعلتها وتتورم شفاهها ثانية وثالثة...

 

شجرة التين كانت كعروس الكرم في هذا اليوم المُثْلج؛ فاكتست بثوب أبيض غطّى كلَّ تفاصيلها العارية وأسدل على رأسها وشاحا حتى أخمص قدميها، وبقيت شامخة أزليّة الجذور...

وأخوها كان تحت شجرة التين يبني رَجُلَ ثلج ضخم، ويرسم العينين بالطين الأحمر، ويُثَّبتُ جزرةً للأنف، ثم تنساب ريشته ليرسم الفم المبتسم بالطين أيضا...

حاولتْ أنْ تخطو ولكنّها لم تستطعْ وانزلقت قدمها من الحذاء الواسع الكبير، ولم يكن يبدو أن أحدا يراها أو مهتمّ بها إلى أن التفتَ أخاها وناداها باسمها وأشار لها أن تأتي وهو يبتسم بحماس، وحاولت أن تستنجد به لكنه لم يسمعها...

بدأ صبرها ينهزم مجددا أمام الرغبة العارمة، إلا أن قدمها لم تسعفها، وأحست بالعجز والضعف إلى أن رأت أخاها يركض مسرعا إليها ويحملها على كتفه بذراعيه مفتولتي العضلات، ويهرول فوق الثلوج باتجاه التمثال...

وقفَ أمام التمثال وابتسامته تتفجّر من عينيه قبل شفتيه، وأنفاسه لاهثة تتحوّل إلى بخار في كثافة الهواء البارد، وكانت قدماها تتدليان فوق كتف أخيها بعد أن سقط الحذاء الواسع من رجليها وهي تبتسم محاولة تدارك الألم، إذ إنّ صبرها ينهزم مجددا ومرارا أمام رغبتها؛ فقد أرادت أن تتلمّسَّ رَجُلَ الثلج ذاك.

مدّت يدها ولمست وجهه وقبعته وأزاره التي جعلها أخوها من خشب أغصان شجرة التين، ولم تستطع الانحناء أكثر، وقد بدأت أصابعها تحمّرُ، وقدمها تَزْرَقُ وتتوّرم أكثر وهي هي تقاتل صبرها حتى آخر رمق، وكان لا بد من حدّ فاستدار أخوها وأعادها للمنزل عِنوة.

أسقطها أمام المنزل وطفق راكضا باتجاه تمثاله الثمين...

فتحت يدها الصغيرة وهي تبتسم وفي قبضتها كومة ثلج، و بخفّة وسرعة ابتلعتها...

أّمّها موبخة :

-لا تأكليها يا صغيرة ألا تعرفين؟!

 

وغنّتْ أمها تلك النشيدة عن أكل الثلج:

"أول يوم سمّ...

ثاني يوم دمّ...

ثالث يوم كُلْ ولا تهتم... "

في تلك الليلة غفت الصغيرة وهي تتخيّل أنّها أكلتِ السّم، وإذا لم تمت وهي نائمة فستصحو لتشاهد الدّم فوق الثلوج البيضاء التي ما زالت تتساقط بغزارة، وتذرو الرياح الندف البيضاء لتتراكم طبقات غطّت حتى نصف الأبواب المغلقة.

*****

ثاني يوم:

استفاقت على أصوات أخوتها يحاولون فتح الباب الذي تراكم خلفه الثّلج عاليا، وعندما فتحوه تعالتْ صرخات الدهشة وتراجعوا إلى الخلف، ولكنّ أخاها الأكبر رفع عن ذراعيه المفتولتين وشقّ دربا بجسده إلى الباب الخارجي، فتبعه الجميع إذ أنّه يوم لا يُفَوَّتُ أبدا وقد لا يشهدون الثلج يتراكم بهذا الارتفاع مجددا...

كان توّرم وألم قدمها قد خفَّ كثيرا، واستطاعت ارتداء جورب ولكنّها اضطرت لانتعال حذاء كبير حتى لا يضغط على قدمها، وحاولت أن تتبع أخاها حتى شجرة التين والذي التفتَ إليها ونهرها لأنها لا تغطي رأسها من هذا البرد الشديد، ثم ابتسم وسألها أن تبقى مكانها وهرول إلى المنزل...

كانت رياح باردة خفيفة تعبث بشعرها الأسود المتموّج وتجعل أذنيها تتجمدان من البرد، وهي هي ما زالت تصارع صبرها الطفولي مرارا وتكرارا إلى أن وصل أخوها حاملا معه قبعة صوفية ودفتر رسم وريشة...

ألبسها القبعة وأجلسها على غصن مكسور بجانب جذع التينة وبدأ برسمها...

أجمل تلك اللحظات كانت عندما يرسمها أخوها بشغف وحبّ، فينبض قلبها الصغير وتَحْمّر وجنتاها ثم يتفنّن أخوها بتلوينها وإظهار براءتها.

راقبت البياض حولها في كلّ مكان وراقبت ندف الثلج تتساقط وتتلوّى في السماء حين تنفثها الريح، وراقبت يد أخيها ترسم تفاصيل وجهها بلوحة سوف تسميها لوحة الثلج.

راقبت و راقبت و لم يكن هناك دمّ، فمدّتْ يدها الصغيرة -بعد أن انهزم صبرها أمام رغبتها- وتناولت كرة ثلج وأكلتها...

أخوها موبِّخا:

-لا تأكلي هذا يا صغيرة! ألا تعرفين؟!

ثم غنّى :

"أول يوم سمّ...

ثاني يوم دمّ...

ثالث يوم كُلْ ولا تهتم"

في تلك الليلة غفتِ الصغيرة دون خوف؛ فلم يكن هناك دماء ولا سموم، وكل شيء بخير فما زال الثّلج يتساقط والريح أضحتْ رفيقتها  و ستصحو لتأكلَ الكثير من الثلج ولا تهتمّ...

*****

ثالث يوم:

هذا الصباح لم تكن صرخات فرح ولا دهشة ولا انبهار، كانت صرخات خوف ورعب، فقد أخرجتِ الليالي الثلاث المُثلجة الضّباعَ من أوكارها، ونزلت من الجبال جائعة مسعورة تحاول اصطياد فرائسها التي شحَّتْ في هذا البياض البارد المُقفر...

كان أحد الضّباع يحفر تحت الباب محاولا الدخول للمنزل ولا بد أن قطيعا خلفه، وازداد الخوف وهم قد بدؤوا برؤية مخالبه تظهر من تحت الباب، فما كان من أخيها الأكبر إلا أن أحضر فأسه التي تركها بالأمس خلف الباب عندما شقّ تلك الدّرب في الثلج، وقطع يد الضبع الممتدة من تحت الباب، فبدأ الضبع يعوي من الألم وابتعد مع قطيعه وهم يسمعون ضربات أرجلهم فوق الثلوج...

هذه المرة راقبت عيناها دمّ الضبع على الثلج الأبيض...

هذه المرة كان هناك دمّ...

سرعان ما نسي الجميع أمر الضباع، وسرعان ما تلاشى الدّم تحت ندف الثلج المتراكمة وهرع أخوتها يغرفون الثلج في صحون ويضيفون دبس قصب السّكر له ويأكلون دون أن يهتموا...

وهي هي هزمَ هذه المرّة صبُرها رغبتَها التي ماتت، لن تأكل ثلجًا لوثته الدماء...

حاولتْ أن تجرَّ قدمها التي ما زالت تؤلمها قليلا حتّى شجرة التين، ثم تسلّقتها وجلست أعلى الجذع الضخمة المُدوَّرة، فهنا ملجأها والضّباع لا تستطيع التسلّق والوصول إليها، وعادت لتمسح بنظرها المكان :

كان الثلج قد توقف وبدت الريح أكثر هدوءً وأقلَّ برودة، والسماء فكَّتْ عناقها مع الأفق و شابتها ضربات من اللون الأزرق ، وعصافير الدُّوري بدأت تتنقل طائرة هنا وهناك، ثم وفجأة سقطت قطرات من الماء فوق صيوان أذنها وتكاثرت على يدها، لقد بدأ الثلج يذوب...

عندما نزلتِ التّينةَ، كان الوقوف والتوازن صعبا على الثلج الذائب، وطَفِقَتْ قطراتٌ من الماء تتسرّب في جزمتها مبلّلةً قدميها، وكانت تصارع للمضي قُدمًا عندما مدّ ذراعه المفتولة وحملها إلى المنزل...

في تلك الليلة غفت بسرعة تَعبة؛ فقد أنهكتها الأيام المُثلِجة الثلاث وكبرتْ فيها تلك الطفلة ثلاثة أيام، بدت لوهلةٍ أنَّها سنون...

*****

 بقلم : نادية محمود العلي 

 

 

السبت، 26 أغسطس 2023

إشارات

 إشارات-علامات-طاقة-إيجابية-فيزياء-حياة-فأل-مبشر-نذير-سنونو-ولادة-دورة-

إشارات



ترتعشُ أجفانه المُثقلة وتضطرب أهدابه وهو يراقب بلهفة وانبهار سنونو مهاجرة تطوي الجغرافيا وتتحدى مقاومة الهواء بحجمها الصغير وتذرع النصف الآخر من الكوكب؛ لتأتي كلّ عام وتبني عشّها في سقف ممرّ المنزل المجاور.

 بصبرٍ وتفانٍ تبنيه بمنقارها و مخالبها الغضة قشّة قشّة وطينة طينة، ثم تبيض و تفقس صغارها، وتطير مع زوجها مُحضرة الطعام للصغار ...

دورة حياة كاملة يراقبها خلال أسابيع قليلة، ويطمئن لوجود السّنونو الأمّ مع صغارها كلما خرج ودخل المنزل، وأحيانا يلتقط الصور مُسبِحا الله على تلك الطاقة في الإصرار على الحياة لتلك المخلوقات الصغيرة.

 ولكنّ ذلك لم يستمر طويلا؛ إذ أتى الجار وأوقع العش وكنس المكان مرتاحا أنْ تخلَّص من أوساخ تلك السنونو وعشّها.

شعر بالغضب وحمل الصغير المتبقي وحاول أن ينقذه، أمسكه براحة يده وحاول أن يعطيه الماء والطعام ثم أعاده إلى العشّ المُتهدم ووضع العشّ على حافة جدار المنزل؛ لعلّ الأمّ تعود لتنقذ صغيرها، لكن دون جدوى كانت تحوم الأمّ مذعورة في الهواء وتحاول العودة إلى الممر ولم تكن تتعرّف على صغيرها حتى مات هناك على تلك الحافة...

انزلقت دمعات صامتة مُتحسرة من مقلتيه على زغبات جسد السنونو الوليد التي لم يُقدّر لها أن تنمو لتصبح ريشات قوية...

 السنونو نفسها عادت في العام التالي، ذَارعَةً نصف الكوكب بتلك الطاقة المتجددة، لتبني عشّها في نفس المكان، وهذه المرة أسقط الجار العشَّ قبل أن تفقس البيوض، وكان إصرار السنونو غريبا؛ فقد حاولت بناء العش ثانية وثالثة...

وهو...هو اعتاد أن يؤمن بالإشارات أو العلامات التي تصادفه وهو في مهبّ دربٍ جديدة أو باكورة عمل، أو حدث مهم في الحياة...

الغريب أنه حتى لو كان الحدث أو العلامة نذير سوء فإنه يربطها بشكل متفائل ومبشّر بالخير ...

رذاذ مطر، إذن حدث اليوم خير...

ضاعت الساعة، حسنا! فلنستفد من الوقت وننتبه...

عصفورة تُغرّد، إذن فلنقبل على الأمر...

سنونو مات، سنونو طار ثم عاد، حسنا! فأل خير نتعلّم منه الإصرار والمضي في الحياة ...

وإن لم يكن علامات، فهو يلف ويدور ليصنع واحدة:

 نعم! اتصال بالخطأ هذه علامة، كلمة قيلت هذه علامة، موسيقا عُزِفَت هذه علامة...

آمن دوما أنّ الله معه وأنّه يرسل له هذه العلامات ليوفقه أو يفرَّج عنه...

في أحلك الساعات، وفي أصعب الأوقات، وفي أمرّ المواقف، كان التفاؤل يملأه ببحثه عن العلامات وتطويعها لتعطيه إشارة...

وباستغراب قالت له ابنته -عندما طوّعَ إحدى الإشارات وكان سعيدا جدا- :

 -أخاف أن تُصدم يا أبي وتزول هذه السعادة لو كنتَ قد فهمتَ هذه الإشارة خطأ.

 قال:

-إذن هذا الشعور بالسعادة يكفيني...

تلك الطاقة الإيجابية كانت أجمل ما فيه، فمن الصعب حقا أن يملك أيّ إنسان تلك المَلكة...

الطاقة كامنة دائمة في كلّ مكان وفي كلّ جسيم وفي كلّ ذرة وفي كلّ إلكترون...

تلك الأورا التي نملكها طاقة...

تلك العيون تتفجَّرُ منها الطاقة أو تسكن وتتجمّد، لكنها موجودة...

لم لا تكون مشاعرنا طاقة؟!

 طاقة إيجابية أو سلبية تنتشر فتبدو أنها مُعدية...

وقد نضطر لتفسير ما نجهل من منطلق الطاقة :

لم لا يكون الحسد طاقة استحواذ ورغبة عارمة تصيب المحسود باهتزازاتها لوهلة!

لم لا يكون الحبّ طاقة تنبعث اهتزازاتها كسهام تصيب قلب المحبوب!

لم لا يكون الكون طاقة انفجرت منذ الأزل وما زالت انبعاثاتها مستمرة إلى يوم الساعة!

تلك الطاقة كتلك القدرة التي تجعل العنقاء تنهض من الرّماد والعدم...

حسنا فلنعتبر هذا إشارةً تُهدينا للفيزياء من حولنا -مع اعتذاري الشديد للفيزيائيين-

*****

 

 بقلم : نادية محمود العلي

 

 

 

السبت، 19 أغسطس 2023

سادرة شاردة

 سادرة-شاردة-خوف-ضياع-نفس-ألم-حل-ماضي-مستقبل-حاضر-بنت-صغيرة-غصن-أغصان-جرف-زمن-

سادرةٌ شاردة


تهتزّ النظراتُ السّادرةُ الشاردة، تبدو بلا هدف وتتشتّتُ في الفراغ ....

فهاهنا بلاد جديدة، يبدو فيها الفراغ شاسعًا، وذبذبات مريخيّة يتقاذفها الأثير تعطي شعورا بالغرابة ...

 تغيّراتٌ مناخية تجتاحُ كُرتنا السّابحة وهي تدور وتدور منذ الأزل – حسنا لا شيء يبقى على حاله - ثم وباء فتّاك عالمي قيل إنّه مؤامرة وقيل إنه سلاح بيولوجي وقيل إنّ الصين أكلتِ الخفافيش وانتشر فيروس كورونا في الأثير...

حظر تجوال ...كمامات وأقنعة... معقمات وقفازات...شائعات وحقائق...

عجزٌ عن اختراع لقاح مضاد أو دواء ...

لم يعد يبدو الزمن ألفية ثانية ... بدا سحيقا ... قديما ...

 

ما زالت النظرات سادرة شاردة فالحديث عن المستقبل مخيف ...

حروبٌ تجتاح المنطقة، تَصّدعاتٌ سياسية، تكالبٌ دوليّ، أمراضٌ وفقرٌ ثمّ زلازل قلبت مدنًا رأسا على عقب وغيّرت جغرافيا مناطق وابتعلت أناسا في جوفها دون رحمة ....

البعض قال من علامات يوم القيامة، والبعض قال عقاب ربّاني أو ابتلاء، والبعض قال مؤامرة الدّول الكبرى للتخلّص من العامة والإبقاء على السّادة...

بدا وكأنها تجلس على حافة جرف من الزمن، بينما تعبث الريح بخصلات شعرها، وتتدلّى أقدامها إلى هاوية مهيبة قعرها وادٍ سحيق قاحل، وحين تلتفت وراءها يتراءى لها الجبال كأنها عمالقة ذات عضلات مفتولة تتصافح مع غمام السماء وتتصالح في ضباب كثيف مهيب...

 

الحديث عن الماضي مخيف ...

العيش في الحاضر مُفزع ...

التخطيط للمستقبل بلا جدوى ...

وأين نحن !!! أين أنا !!!

تتفكّر وما زالت النظرات سادرة شاردة ...

تتفكّر: كلّ شيء يبدو هادئا إلا أنها تبدوعالقة في بؤرة إعصار، فالجوّ عاصف حولها وهي في مكانها ساكنة جاحظة تراقب بخوف ...

عندما يعود الماضي من جديد لا يكون كما هو، ويبدو ذكريات كانت ذات يوم جميلة أو قبيحة، مفرحة أو مؤلمة، و تتساءل: يا إلهي كم تَغيرنا!!

الماضي عتيق سقيم يموت، لكنه يدغدغ العواطف التي اعتقدنا أنها ماتت...

لم تكن تخاف الموت، لكنها الآن تتفكّر: إنّ الموت مخيف ومظلم وغامض ...

قالوا عنه الكثير وناقشه رجال الدين والفلاسفة والعامّة ...

طفق "جلجامش" يبحث عن الخلود خوفا من الموت ...

وأساطير سُطرت عن الخلود؛ لكن بلا جدوى! لا شيء خالد ...

ما زالت تذكر عندما لمحت وجه تلك المرأة من بين الآلات صدفة، كانت أمها أو تشبه أمها، وعادت تنظر باتجاه المرأة لتتأكد ويا هول ما ترى!

كادت لتقسم أن هذه المرأة الحيّة هي أمها المتوفية، وسالت الدموع فجأة بحُرقةٍ بحُرقة؛ لأنّ أمها في قبضة الموت منذ سنوات! أيّ صدفةٍ هذي المرأة التي كانت تراها يوميّا ولم تُذَّكِرها قطّ بأمها، و الآن فجأة كانت كأنها نسخة بردائها الأحمر وربطة شعرها السّوداء وتقلّصات ملامح وجهها وهي تُحرّك الآلة ...

أغمضتِ العينين السادرتين الشاردتين، واستسلمتْ لفكرة الموت...

جسد يُدفن في التراب وروح تهيم إلى أين!؟

انتفضتْ وحاولتِ الهروب إلى المستقبل، فالحاضر يبدو أيضا سقيمًا ...

تتفكّر: جرفُ هاويةٍ وأيُّ حركةٍ قدْ أَسقطْ ...

إنها الآن تبحث عن غصن تتعلّق به وتخاف أن تخذلها يداها العاريتان ...

ذلك الغصن أخبرها بحيلة صغيرة وهي أن تغمض عينيها وحينها لن ترى سوى الظلام والعتمة وسيكون كلّ شي بخير، سيختفي الغضب والضياع، وسيكون كلّ شيء بخير ...

غصن آخر تعلّقتْ به حتى لا تسقط وأخبرها أنّ التعلّق المادي شيء لا طائل منه: اتركي يديك وستبقين معلقة ولن تتأذي ...

وامتدَّ غصن ثالث واقترح عليها العناق معه حتى لا تسقط إلا أنه كان مليئا بالشوك والإبر، سيدميها وتقطر دماؤها وتموت بين ذراعيه ...

امتدت أغصان كثيرة كلها كانت قصيرة وضعيفة، وخافت أن تخور قواها وتخذلها ذراعاها المُتعبتَان ....

نظرت للأسفل ...المستقبل يبدو هاوية سحيقة ...

أين نحن !!!أين أنا!!!

نظرت للأعلى ورأته ... شبح الماضي ... ابتسم ابتسامة جميلة جدا أسعدتها لوهلة ...مدَّ يده وأشار لها أن تتمسَّك به ويشدها ...

يده كانت زَلِقة، لا ريب فإنه شبح ...

 

 

توقف الزمن عند هذه الصورة :

شبح ماض أعلى الجرف...

أغصان متكسرة ضعيفة تتمسك فيها حتى لا تسقط...

هاوية سحيقة ضبابية مظلمة كقدر محتوم ...

ماذا تفعل ؟!

سمعت همسا يناديها: هيييه!  أنتِ!

تلفَّتتْ تبحث عن مصدر الصّوت وهي مُعلّقة لتجد بنتًا صغيرة ضئيلة تجلس في كهف صغير بين طيّات صخور الجرف ...

همست ثانية: تعالي!

 ومدَّتْ يدها الصغيرة ...

مُترددة أعطتها يدها، وشدتها الصغيرة بقوّة وخفّة وسحبتها بجانبها ...

قالت الصّغيرة وهي تتنهد: إنّ تلك الأغصان ستتكسر، وهي غير جادة، هل تعتقدين أنها تهتم!

حدَّقتْ في عينيها القاتمتين ، لم تعتقد يوما أنها ستقابل مثل هاتين العينين! عاتمتان لامعتان بالحزن والهدوء، كأنّها أمواج بحرٍ في ليلة دعجاء ترتطم بصخور الشاطئ وتنسحب مصدرة ذلك الصوت المهيب ومُحْدِثةً زبدا مضيئا.

حدَّقتْ طويلا سادرة شاردة ثم قالت للصغيرة: أتهتمين ؟!

أطرقت تلك العينان العاتمتان وهمست: لا أعرف! أتعرفين؟!

لم تتوقع ذلك الرّد وفكّرتْ ثمّ همستْ للصغيرة:

 -لا نعرف شيئا حقا، لم يستطع أحد أن يعرف شيئا حتى لو تيَّقن! لم يستطع باحثٌ ولا عالم حلّ معادلة الإله -تنهدت تنهيدة طويلة – أعتقد أننا سنبقى دائما حائرين سادرين شاردين ...

- حقا!

همستِ الصغيرة وهي تُمعِنُ النظر في عينيها الخضراوين ثم تابعت:

- هل تعلمين ماذا في القاع؟

- المستقبل؟!

-أخائفة أنت؟!

-خائفةٌ حدَّ الرُّعب!

-هل كنتِ تعلمين أنكِ ستصلين هذا الحدَّ من حياتك وعمرك؟!هل علمتِ يوما ما الغد؟!

-لا!

-إذن؟!

-إذن ماذا؟!

-اقفزي!

ودون انتظار الرّد هذه المرة، دفعتِ الصغيرةُ الفتاةَ دفعةً قويةً سريعةً خفيفةً، جعلتها تسقط في الهاوية سقوطا بدا طويلا غير مؤلم وغير متوقع ...

أغمضت العينين، ودعت الإله أن يعطيها الحلّ لمعادلته ...

في تلك اللحظة استفاقت في القاع وما زالت العينان سادرتين شاردتين ...

*****

 

 بقلم نادية محمود العلي 

 

 

 

 

 


 

 

الأحد، 13 أغسطس 2023

وانقرض ساعي البريد

 ساعي-بريد-انقرض-مستحاثة-رسائل-حنين-دار-انترنت-تواصل-اجتماعي-وطن-

وانقرض ساعي البريد ...

 


ساعي البريد يطرق بابنا :

هذه رسالة من أختي المتزوجة في مدينة بعيدة ، تبثُّنا شوقها وأخبارها ..

وتلك أخرى من أخي المسافر خارج الوطن، يبثُّنا حنينَ الغربة والألم  ..

هنا ظرف جميل عليه طوابع ، من صديقة لي في المراسلة ، ترسم لي عادات وتقاليد بلادها بريشة الكَلِم ..

بابتسامة  طفولية ، سأجمع الطوابع في ألبوم جميل وأنسِّقها ، سأحتفظ بالرسالة الغالية بين أوراقي الغُرَّة ...

بتُّ زوجةً وأما صغيرة في وطن آخر ، أكتب رسالة مُحمَّلةً بالشوقِ لأمّي وأبي وأخوتي وربيع بلادي  ...

ساعي البريد يطرقُ باب الدار العتيقة : يسلم رسالتي ...

يقرأها الجميع بشغف ...

وهاهنا بين يدي َّرسائل جميلة من أهلي و صديقاتي ،  أقرأها و أشتم رائحة الزيتون والتين بين ثناياها ، وأكاد أرى سنابل القمح وابتسامات الوجوه بين سطورها ....

بابتسامة حنين شابة أرتبها  بحرصٍ في صندوق رسائلي القديمة وبين طيات وثنايا  الورقات الصفراء ..

 

الآن في عصر الإنترنت وزحمة مواقع التواصل الالكتروني :

رسالة بريد إلكتروني ، وساعي البريد  مجرد تنبيهٍ أحمر ...

كلمات شوق وصورةٍ تصلني على الواتساب  في جوالي ....

أصوات الأهل  يكلمونني في السكايب ...

وبابتسامة ناضجة متعبة  ، أحتفظ بالصور في ذاكرة الكترونية ....

إنها زحمةٌ غريبة تملأ جهازي الصغير ...

وأردت إرسال تحية تقدير لمخترعه المبدع ...

 

قلبي المتعب يتساءل عن رائحة الورق الأصفر ، حتى باتت عروقه ريشة  ترسم على جدران عقلي الباطن  بابَ الدار العتيقة ، التي باعها الصغار و خلف درفتيه غرباءٌ الآن ...

وأين ساعي البريد حاملا شنطته الغريبة ! يمسح بمنديل قماشي جبينه ،  وبابتسامة صابرة يسلم بيده السمراء الأظرفَ كأرغفة صغيرة هي غذاء للروح ...

وأردت أن أرسل له تحية ، ولتلك الجدران وذلك الباب ...

ومهلا!!!

 انقرض ساعي البريد و انقرضت معه تلك الدّار، وبصماتُ الغرباء  أخفت بصماتي وأخوتي الصغار ،لتصبح مجرد مستحاثات في تلك الزوايا  خلف درفتي  ذلك الباب !!

هل تكسّرتْ أجنحة الحنين، حتى باتت سجينة دوامة الزمن !

ولمَ يا أمّي أصبحنا غرباء في زمن التواصل الاجتماعي وسرعة وصول الكلمة والاكتساح المادي !

*****

 

بقلم : نادية محمود العلي  

 

 

 

 

 

السبت، 12 أغسطس 2023

فتات حنين وبعثرات قلم

 حنين-قط-سلالة-حرية-برية-سجن-بعثرة-حروف-قلم-عبودية-تدجبن-أليف-

فُتات حنين و بعثراتُ قلم

 


قد تبعثرنا أيام العمر زمنا - نظن أنه قصير -  ونُفاجئ ذات يوم بأنه كان طويلا جدا وأننا على حافة اللّحد ، وليس في دربنا إلا فُتات حنين ...

فُتات حنين لماضٍ أو لحلم راودنا ذات يوم ، وحنيننا يشدنا لنعثر عليه أو يعثر علينا ، لا فرق ...

لا فرق إن تلَبسنا الحلم أو تلَبسناه ، فالألم واحد ، مهما تشعبت الدروب

 " فكل الطرق تؤدي إلى روما "  ...

في ذلك اليوم وقف قطّي الأبيض الجميل ببراءة عينيه،  أمام شعاع شمس يتسلّل من نافذة غرفتي ، كانسا ظلال العتمة ، مشكِّلا بقعةً مضيئة على سجادتي ...

وقف طويلا حيث  البقعة ونظر إلى أشعة الشمس المتسللة ، يتطلع إلى - لست أدري حقا -  ربما حرية فقدها يوم دَجَّن أجدادنا أول قطة بريّة ، يوم سجن الإنسان جدَّ القطط وحولها إلى حيوانات أليفة مدللة ،  أو ربما  يتطلع إلى  حلم دفين في أن يكون في الهواء الطلق وأشعة الشمس وأمه الطبيعة البرية التي حرمناه منها وسجناه بين أربعة جدران !

وسابقا في ذلك اليوم كان قد وقف وراء الباب الخارجي يموء و يموء حتى أثار مواؤه أعصابنا وشفقتنا ...

-       سأخرجك اليوم يا قطي الصغير،  لا تقلق ....

حملناه وخرجنا به إلى حديقة قريبة ، فإذ به يتكوّر ويلتصق بالأرض ويتسمَّر في مكانه خائفا حائرا ، وظل على هذه الحال ولم يهدأ ، حتى عدنا به إلى البيت ...

عرفنا أ نّ قطَّنا لن يصمد أبدا ، وأنه اعتاد سجن الحجر ، على رحابة الطبيعة ...

لم أعرف ! أأعتذر من قطي ومن كل سلالة القطط ! أم أعتذر من حلم قتلناه في مهده قبل أن يكبر !

نظرتُ في عيون قطِّي ،  واقتادتني حبال أفكاري إلى كرة نسكنها ، اجتاحها ذات يوم طوفان عظيم ، وحمَّل فيها نبينا " نوح " السفينة من كل زوجين ، وبعد أن غاضت الأرض وابتلعت ماء السماء ، وتوقفت السماء عن سكب أمطارها ، وأعطانا الله فرصة جديدة ، عُدنا وقتلنا فيها الطفولة والبيئة ودمرنا أوطانا ، ونفوسا وقِيما عظيمة ....

وامتدَّ الدرب أمامي طويلا ، نتتبع فيه فتات الحنين علّها توصلنا لمخرج أو لحل ، نعرف فيه علاج إنسانيتنا التي تُنازع بمرضٍ عضال كالسرطان يستشري ، أو ربما ماتت ، لا أدري !!!  فهل يكمن الحل في بعثرة قلم ؟!

وأمسكتُ القلم ، ثم بعثرت حروفي ....

 

*****

 

 بقلم : نادية محمود العلي 

 

 

الخميس، 10 أغسطس 2023

زهرة البنفسج

 زهرة -بنفسج-عطاء-حب-جدب-صقيع-حرب-سلم-بشر


زهرة البنفسج


مددتُ يدي بتردّد لأسحب دفتري من يده المعروقة...

هو أستاذ اللغة العربية القدير الذي يهابه ويحترمه الجميع ، وكان من أولئك المعلمين الذين لا مجال لطالب مهما كان مشاكسا أن ينال من هيبته وقوته ...

خفتُ أن أفتح الدفتر لأرى تعليقه على موضوعي التعبيري عن الزمن الذي كان قد طلب منا أن نكتبه كواجب مدرسيّ ...

لكنّ فضولي هزم خوفي ، وفتحت لأقرأ تلك الجملة التي بقيت محفورة في ذاكرتي سنوات طويلة ، جملة جعلتني أتغيّر ...

كتب بالأحمر :

(أنت وأمثالك يا نادية كزهرة البنفسج ، تعطون في أيام الجدب ، لهذا أنتم متميّزون على غيركم  )

 

بحثتُ عنها ...عن زهرة البنفسج  ، وتماهيتُ فيها حتى الاتحاد ...

بنفسجيةٌ بتلاتها الرقيقة الحزينة، أوراقها قلبية الشكل  ملتصقة بتواضع بذرات التراب كطفل يغفو في حجر أمه ، وتنثر عبقا يدغدغ أعصاب الشم إلى الخلايا الرّمادية ثم يضخ الدّوبامين في الدّم ، يفوح عبيرها في الوقت الذي تموت وتجفّ فيه بقية الأزهار ...

إنها تزهر في أيّام الجدب والصّقيع ،وتذرف دموعها ببطء فتتكاثف

قطراتِ نّدى كلّ صباح لتلمع بتلاتها الصغيرة  برقّةٍ وجمال في الجوّ الغائم ..... 

تعلّمتُ منها أنْ أعطي في الوقت الذّي لا يستطيع أو يتوّقع فيه أحدٌ أن أعطي ...

 أن أتواضع دون ذلّ ...أن أحبّ دون أنانيّة أو تملّك ،و

أن أكون دائما جميلة ونديّة، حتى في وقت الحزن والكآبة....


حريّ بنا نحن البشر في زمن نرتكب فيه المجازر باسم الحبّ والسّلام أن نتعلّمَ من زهرة البنفسج كيف نعطي ونحبّ ...

ونغسل نفوسنا في وقت الحزن ...

في وقت الصّقيع والجدب ..

في وقت السّلم والحرب ..

 

*****

بقلم : نادية محمود العلي  

 

 

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2022

ضجيج السكون

 ضجيج-سكون-صور-ماضي-حرب-حنين-غزل-بنات

ضجيج السّكون

 


 

من قال إنّ السكون ساكن وإنّ الهدوء في السكون ؟!

أليس السكون حالة فيزيائية ؟ أليس حالة فلسفية ؟ أليس حالة اعتياد ؟

ألا ترى الأجرام ساكنة وهي تدور وتغيّر أمكنتها وتضجّ بالسكون ؟

ألم تعتد حركة الأشياء حتى أضحت ساكنة كأنها لا تتحرك ؟

ألم تعتد الضجيج يوما حتى بات سكونا ؟!

لم أستوعب ذلك إلى أن جاءت تلك اللحظة التي انقطعت فيها الكهرباء ، هدأت كل أصوات الآلات من حولنا ، توقف المكيّف والمروحة والثلاجة، وعمّ السكون للحظات ، لكن الكهرباء استمرت في الانقطاع طويلا ، وصارت أصوات الأطفال ومحركات السيارات وصرخات صبية  وعواء كلاب ومواء قطط  تتهافت ضاربة مصاريع الشبابيك ،غازية الأسماع ...

أضحى الجوّ خانقا، ولم يستطع أحد النوم ، لكنّ الكلّ تعب وهدأ وسكن ...

في تلك اللحظة تعالى طنين موجعٌ في أذنيّ كأنه ذبذبات عالية ،لم أعرف أكان من الفضاء  الخارجي أم من فضاءِ ذاتي ،إلا أنه كان يطنُّ بشكل مؤلم واستمر طويلا مع دوام السكون ...

لم يكن أبدا أيّ شيء ساكن ... لقد كان طوال الوقت ضجيج ...

ربما هي الحياة بطبيعتها  ، فلا سكون مع الحياة وربما السكون في الموت ...

لعلّ هذا السكون الثرثار هو الماضي، هو الحنين ،هو أزيز ظلال الأيام ، هو تلك الذبذبات التي تصدر عن تلك الأطلال والجبال الشاهقة حولي ، أكاد أشعر بها وأتصورها كنبضات جهاز مغناطيسي أو كهرباء عالية التوتر أو توّهج مادة مشعة لا أدري ، إلا أنّ موجات غريبة تُصدر طنينا مهيبا تعجُّ في أثير المكان كأنّه المريخ  ...

 جلستُ أقلّب صوّر الماضي ، ووقعت عيناي على عدة منها:

 هذه الصورة : زوجة وزوج ....

عيناها تلك الزوجة ! عيناها أخافتني ! كان فيهما كره وحقد ولؤم وألم ومعاناة ،إلا أنّها كلها كانت ملفوفة ومغطاة بقناع ووشاح من الهدوء الساكن زرعت في قلبي الخوف ...

إلى أي مدى قد يصل الكره  ! وماذا يمكن أن يفعل وراء ذلك القناع !! هل يدرك الزوج ذلك ؟

هذه الصورة : مدينة عريقة ....

هناك في الخلف أبنية دمرها قصف العدوّ وحربٌ غبية ،أبنية بدت ساكنة تضجّ بالخراب ،وشوارع محترقة مشينا فيها ذات يوم ، وفي الأمام رجل عجوز يحمل باقة من غزل البنات الوردي ،اللون الوحيد في الصورة القاتمة ...

لمن غزل البنات يا عمّ ؟ !

لتبيعه إلى ذلك السكون القاتل ؟ إلى الطفولة الموءودة ؟!

بعد 25 سنة لماذا يعود الماضي ؟!

يمدّ يده ويهزّني ،يُفرحني ثم يوجعني ...

ربع قرن تغيّر فيه العالم ، تغيّرت المعالم والوجوه والنفوس والأدوات والألوان  ...

أدركتُ والماضي  يهزُّ كتفيَّ أنه سقيم ، أنه أبيض وأسود ،أنه عجوز علمني الكثير وأعطاني الكثير إلا أنه مات ويجب دفنه كي لا تتفسّخ جثته وتفسد أثير الحاضر ...

لم أعتد أن أدير ظهري ، إلا أنني اعتدتُ أن أمضي دوما ...

عذرا أيّها الماضي ....

 

 *******

بقلم : نادية محمود العلي  

 

 

 

الأحد، 7 أغسطس 2022

جرعة حنين

 حنين-عالم -افتراضي-حقيقي-جرعة-أخ-


جرعة حنين




بين يديَّ عالم وأكوان ... بين أصابعي كل أبجديات العالم ، وأمام ناظريَّ كلُّ جميل وقبيح ...

الجغرافيا والمسافات واختلافات التوقيت طُويت كلها واُختصرت في هذا الجهاز الصغير بين راحتيّ..

عالم افتراضي ! نعم ، لكنه بات واقعا لا يمكن نكرانه ، يبتلع كأفعى ببطء العالم الحقيقي ، فجهازي الصغير ينوب عني بإرسال المعايدات والتبريكات في الأعياد والمناسبات ، والتعازي والتعاطف في الموت والمصيبة ، والأمنيات بالشفاء في المرض ...

بلمسة واحدة أشتري وأبيع وأطلب ، والمال بات أرقاما في بطاقة الكترونية صغيرة .

لا داعي للسفر لزيارة الأهل الذين تشتتوا في كل بقاع الأرض ، فها أنا بلمسة واحدة أتكلم صوتا وصورة مع أخي البعيد جدا ،رغم اختلاف التوقيت لا يهم ،فالليل لم يعد للسُبات والنهار لم يعد للمعاش ...

أخي الأكبر من وراء الشاشة والشَّيبُ يخطُّ شعره المُنحسر ، والتجاعيد تتفنن بفرشاة الزمن في وجهه ، وبصوته الأجشّ يذكرني بأيام الطفولة : " لن أنسى عندما كنتُ أضعكِ على الطاولة أمامي ،لأرسمكِ وأنت طفلة صغيرة "

أبتسم ، أنتعش ،إنها جرعة حنين انتشلتني تلك اللحظة من هذا العالم الافتراضي ...

رفعت رأسي عن شاشة الجوال ،لأرى انعكاس الشمس الغاربة على صفحات البحيرة الصغيرة التي شكلتها أمطار الأسبوع الفائت الغزيرة ...

قرصٌ برتقاليّ ينطفئ خلف السّحاب ، وينثر رذاذ ألوان الطيف المذهلة بين التفافات الغيوم ، ومنعكسا على صفحة الماء الفضية التي تترقرق مع نفخات الرياح ، ليَشوبَ الفضة لمعة الذهب واصفرار النحاس مع ضربة برتقالية احترافية ...

يااااه !!!!  كم سرق منا هذا الجهاز الصغير متعة الإحساس بالواقع ونشوة الحنين ...

 ××××××

بقلم : نادية محمود العلي 

الجمعة، 15 يوليو 2022

الثقب الأسود

ثقب-أسود-هالة-أورا-شباب-حياة-كهولة- 

                                               الثقب الأسود



كان قد أتمَّ السابعة عشر بتلك الروح والعزيمة ،بتلك الهالة التي تحيط به وتجعلك منجذبا لذلك النور في جبهته وتلك الحياة النابضة في عينيه الزيتونيتين ،أتم السابعة عشر وقد أذهل معلميه بذكائه ،والأقارب والمعارف بسلوكه واحترامه وثورة الشباب المتقدة ...

كان يحل مسائل الرياضيات والفيزياء بسرعة وذكاء ويُصحّح الأخطاء وما يعصى على المعلمين في المدرسة ، وكان يساعد والده الفقير في العمل ويساعد زملاءه وكل من يسأله العون ،ولم يكن هناك حدود لتطلعاته وأهدافه ...

 نعم كان ذلك الشاب الواعد المثالي الذي توّقع الجميع أن يكون مستقبله باهرا ذا شأن ،وأن يترك بصمة في تاريخ البشرية ...

السابعة عشر إذن هي الخطوة التي تسبق آخر سنة في الثانوية ، السنة التي تحدد مستقبله في الجامعة والحياة والمسيرة المهنية والاجتماعية ،ولم يكن هناك خوف عليه فهو سريع البديهة وذكي ،سيحفظ عن ظهر قلب وسيحل كل المواد العلمية دون أدنى شك ، سيكون اسمه بلا شك من الأوائل المتفوقين وستكون كل اختصاصات الجامعة متاحة له ،وبدا المستقبل على بعد خطوتين مبتسما فاردا ذراعيه منتظرا  ليضمه إلى أحضانه  ....

إلا أنّ - ودائما هناك : إلا أنّ ، ولكن – كانت هناك بدايات تَحزُّبات جديدة في المنطقة ،والبلاد تترنح بضعف بين براثن السلطة والشعب ،ومُفترسات مُتربّصة تنتظر لحظة الانقضاض ،وشاب مثله كان محطَّ أنظار ؛فبدأت المغريات والتهديدات في حالة الرفض وحتى محاولات للاغتيال ، وبدأ الخوف والأمل والثورة والخنوع والألم والنشوة والعقل والرغبة يحبكون نسيجا قاتم اللون غطى تلك الهالة التي كانت تتوهج حوله ،وكتم الروح بقسوة ، وبدأ الشاب يترنح كالبلاد ، وفي يوم الاختبارات النهائية سقط مغمى عليه وبقي في غيبوبة طويلة ثم استفاق بعد الاختبارات وقد ضاعت سنة التخرج وضاع كل شيء في تلك اللحظة ....

ماتت الروح فعلا واختفت تلك الهالة ولم يعد قادرا أن يعيد الثانوية وكان أسهل الحلول بالنسبة له إغراءات الأحزاب تلك، فأخذوه بعيدا خارج البلاد ، جنّدوه  باسم الدين والوطن والمبادئ ،كان يعرف أنه مات والولادة الجديدة يجب أن تعيش ...

عاش شخصا آخر ...شخصا جديدا .... يكسب قُوتَ يومه من الكلمات الرنانة،واللعب في صدور البسطاء بقذف خطابات الدين الزائفة وفتاوي مارقة ودعوات بدت صادقة ....

الآن على مشارف الستين عاما التي ابتلعت السابعة عشر كأفعى تنقض فجأة تبتلع الفريسة ثم تستغرق طويلا لهضمها ، لم يتبق من فتى السابعة عشرة إلا الحمض النووي للجسد ، تغيّرتْ حتى الصفات الجسمانية ،جسد بدين و شعر أبيض أسقطت الأيام معظمه ،عينان عسليتان مُجهدتان لا حياة فيها ،أعملت التجاعيد أظافرها على الجبهة وتحت العينين ،والشيخوخة استراحت في المفاصل والعظام ....

هل كانت اختياراته من قتل الشاب الواعد وهالة الحياة في الروح ؟ أم  كانت الأقدار التي ساقت في دربه تلك التَّحزُّبات والمفترسات ؟

هل قتلت الحياة تلك الحياة الصغيرة قبل أن يحضنها المستقبل الذي كان واقفا هناك على بعد خطوتين ؟ أم قرارات ذلك الشاب من اغتالت مستقبله قبل أن يحضنه؟

لا أعرف حقا ... أعرف فقط أن تلك الهالة العظيمة صارت ثقبا أسود ابتلع كل شيء ، وحزنتُ جدا .... حزنتُ جدا....

 

  ......


بقلم :نادية محمود العلي