‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 2 يونيو 2026

نحو حياة بسيطة

 نحو-حياة-بسيطة-أسرة-فراشة-البقاء-للأقوى-عيون-والدين-فراشة-شمس-ضوء-أمل-

نحوّ حياة بسيطة



وُجدت الكلمات واللغة للتواصل والتعبير رغم أنها قد تخذلنا أحيانا فنتوكأ على عصى العجزاللغوي، ونتوارى خلف جدار الإفلاس الكلامي. و وُجدت الصور لتحاكي اللحظة وتنقلها بحيادية، ولكنها قد تفشل في إيضاح التفاصيل، وتكذب في تحليل ما وراء العيون وتخدعنا بزاوية الإضاءة. لذلك في تلك اللحظة التي كان فيها والداها يتجادلان حتى فاضت الكلمات وتحوّل الى صراع انتهى بقذف والدتها لفنجان القهوة على الجدار متناثرا الى قطع ترامت هنا وهناك وبقع سوداء توّسدت البلاط هنا وهناك، كانت طريقتها في التعبير  بأن بدأت بجمع القطع المتناثرة ومسح بقع القهوة " إنها غير جميلة " قالت ، غسلت القطع التي لم تتكسر نهائيا وجمعتها في علبة بعد أن قلّبت بين يديها أكبر قطعة وقرأت:

“To a simple life”

"نحوّ حياة بسيطة"


منذ سنين كانت طفلة صغيرة وكانت تظن أن أسرتها هي الأسرة المثالية :

والدان متحابان شغوفان يغمران العائلة بكلّ الحبّ ويلبيّان متطلبات أطفالهما، ولم يكن ينقصها شيء.

كانت عيونها في ذلك الوقت نصف مغمضتين وكانت والدتها دوما تخبرها أن تفتحهما جيدا حتى سمعت كلامها، ولكن عندما فتحتهما كان الضوء شديدا كالصاعقة التي جعلتها تتنبه لما حولها ...

لم تكن أسرة مثالية ...

كانوا صغارا وكانت تنجح والدتها في إخفاء تلك الثغرة وترقيع الفجوات في ستارالعائلة، حتى كبروا وباتت كل اللغات والصور تعجز في إخفاء الحقيقة وتجميل التشوهات وترقيع الفجوات ....

لوم الوالدين غير مجدٍ أبدا، فلو لمنا والدينا على ما نحن عليه وعلى أخطائنا إذن فكل الأخطاء مبرّرة وكل الأمراض النفسية مبرّرة وكلّ الأشخاص لديهم العذر كي يرتكبوا الجرائم والتجاوزات...

تلك الذكريات والكلمات والتصرفات التي تنحفر في عقلنا ونحن صغار وتبقى منقوشة على جدار قلوبنا ونحن كبار تقودنا إلى طريقين:

الأول: أن نصبح نسخة من والدينا.

الثاني: أن نقضي عمرنا نحاول أن نتجنب أخطاءهم ونكون غيرهم .

بكت لأنها خافت أن تعلق في نفس الشبكة وتكون كأمّها محاصرة بأشخاص نرجسيين.

بكت لأنها كل ما كانت تتمناه :

حياة بسيطة فيها السلام والأمان : بيانو تداعب أناملها مفاتيحه، قطة تتمسح بها وتموء لإطعامها، الاصغاء لقائمة بأروع السمفونيات وهي تمارس هواياتها، وأولا تتمنى سقف عائلة متحابة .

في تلك اللحظة استفاقت وتأملت القطع المكسورة وبرقت عيناها :

-أها سأصنع شيئا مميزا بهذي القطع....

أذابت شمعة كبيرة وغرست القطع المتناثرة في الشمع لترسم فيه نمطا فنيا جميلا بدا فيه كأنّ الكوب عاد إلى الحياة بطريقة أخرى ، مكسور لكنه متلاصق على شكل درجات وتداخلات فنية ظهرت فيه جملة :

   to a simple life

تأملت بعينين متعبتين الكوب، وكان الفجر قد بزغ فاقتربت من النافذة لتلمح فراشة تدرّجت جناحاها بألوان البني –بدءا من اللون الطحيني الفاتح الى الخشبي الى الترابي فالبني الغامق-وكانت الفراشة تقف بلا حراك فنقرتها بإصبعها من خلف شباك النافذة إلا أنها لم تتحرك ،ثم زادت رتم النقرات وضربت أصابعها بقوة فاهتز الشبك إلا أن الفراشة لم تتحرك أيضا، فظنت أنها ميتة، وتفاجأت بأخواتٍ لها يقفن على الطرف الآخر من النافذة ساكنات جامدات ميتات ....

في تلك اللحظات بزغ شعاع لطيف كان كسهمٍ من نور الشمس لامس جناحي الفراشة فطارت من غير تردد، ثم لامس شعاع آخر أختها فطارت أيضا ...

الغريب أن ضياء الفجر كان قد أنار البسيطة إلا أن الفراشات لم تستجب إلا لشعاع مباشر يلامس خلاياهن الصغيرة، وكأنهن ينتظرن ذلك الشعاع الذي يشبه إكسير الحياة، كأنه منبه مؤَقت أو يد تهزهن من سبات عميق ....

بدت الحياة بسيطة أيضا وهي تراقبهن، لم نكن نحتاج إلا لشعاع أو سهم يوقظ طبيعة الحياة فينا ،تلك الطبيعة الغريزية للبقاء والكفاح من أجل الاستمرار، لم يكن البقاء للأقوى مع النظر لتلك لفراشات ، كان البقاء للقناعة برشفة ،لصبرِانتظارٍ هادئ حتى تحين اللحظة للتحليق....

ليلة طويلة لم تكن كافية للتعافي من المشاعر المؤلمة ولكنها كانت كافية لرسم لوحة .

همست:

 -أمي لا بأس بعينين نصف مغمضتين ، أنهما وسيلة للبقاء أيضا ....

لا بأس بمحو ذكريات مؤلمة وترك فجوات في الماضي للاستمرار بحياتنا كأنها حلم، ولا بأس بلمسة من نور الشمس توقظ شغاف قلوبنا لنستمر ....

****

نادية محمود العلي 


الأحد، 6 أبريل 2025

لا تقترب

 أخ-حب-مضيئة-ديدان-لاتقترب-مسافة-موت-حياة-

لا تقترب




كوَّرَتها بيدها ورمتها " سأرسم بالفحم إذن، يبدو أن الكلمات لا تنفع" همست لنفسها....

ثم كوّرتها ورمتها "سأعود للكتابة، ربما يسعفني عصر الكلمات" همست ثانيةً...

كوّرتها ورمتها بعصبية " أفٍّ لكِ من فاشلة" وبَّخت نفسها ....

تأمّلت كومة الورق المُكوَّر باستسلام ثم استلقت وأغلقت الجفون فبدأت تتلألأ من خلال الشّقّ الصغير في عينيها ظلالٌ من نور ملوّن تحوم أمامها كنجوم، كأضواء الاحتفالات....

تذكّرت عندما كانت طفلة صغيرة وكان المطر يهطل بغزارة في ليلة حالكة السواد، ولما توقف المطر، بدأت تتلألأ في التراب أضواء فوسفورية ظنت لبراءتها وهي تشهق أنها نجوم قد سقطت مع المطر من الفضاء، ليهزّ رأسه أخوها وهو يضحك: إنها ديدان مضيئة يا صغيرتي...

بدا التفسير حينذاك محيّرا أكثر من لو أنّ النجوم سقطت مع المطر، لكن لا يهم، وعادت عيناها لسبر هذا الجمال المهيب من خلف زجاج الباب، لكنّ النظر لم يكفيها فدفعت الباب وخرجت وكلما اقتربت انطفأت الأضواء، فحزنت وجلست القرفصاء تتلّمس التّراب الذي أضحى طميًا لزجًا، وأخرجها صوت أخيها ثانية من أفكارها: ادخلي ستبردين، أخبرتك أنها ديدان وقد خافت أن تؤذيها باقترابك منها...

ابتعدت متمنية أن تعاود هذي المخلوقات التلألؤ، إلا أن هذا لم يحدث، وانتظرت طويلَا خلف الزجاج دون جدوى، وللأسف لم تر هذا المشهد ثانية طوال حياتها.

"لا تقترب فأنطفئ ولن ترى مني إلا الجانب المظلم، رجاء أبقِ مسافة لتراني جميلة وأراك جميلا"، هكذا علمتها الديدان المضيئة...

ترك مسافة لم يكن سهلا، وفي أسوأ الحالات كان الابتعاد بهدوء وصمت هو الحل لمن يحاول اختراق المسافة، وقد يتطلب الأمر صراعا مُرهقا مع بعض الشخصيّات النرجسيّة السّامة التي تنفخ سُمّها حولك فتتخدر وتصدّق أنها تحبّك لحدّ الجنون...لحدّ الاستحواذ ...لحدّ الاختناق...

سنون مرّت وكم نتغير على مرّ السنون!

في ذلك اليوم كانت نظراتها تبدو كأنها منفصلة عن هذا العالم، وهي تقرأ رسالة أخيها:

(أختي الحبيبة:

هل تذكرين صغيرتي تلك الحشرات المضيئة التي ظننتها يوما نجوما هطلت من السماء؟

 قد رأيتهُا منذ فترة وهرعتْ ذكراكِ لقلبي، وتيّقّنتُ كم أفتقدكِ وأتمنى أن أراكِ قريبا، فقد طال غيابك لسنوات مديدة. تخيّلتُ لوهلةٍ أن يجمعنا الموت مع وفاة والدك ثم وفاة أمك، إلا أنّكِ لم تأتِ ولم يستطعْ الموتُ أن يقرّب المسافة، لكن لا بأس لعلّه خير.

أختي! أريد أن أخبرك سرًّا، لقد اقتربتُ من تلك الدّيدان المضيئة وانطفأت كلها إلا واحدة، احزري ماذا؟ قد أكلتها هههههههههه ..

هناك سرّ آخر صغيرتي، أتمنى ألّا تقلقي عليّ فقد دخلت المشفى إثر جلطة دماغية مرّتْ عابرة، والحمد لله أنا اليوم بخير..

كلّ السلام .... أخوك )

كانت آخر رسالة مكتوبة بعد أن اكتسحت تقنيات التواصل الاجتماعي الساحة وزجّت في المتحف الورق والكتابة والمسافات كذلك ...


في هذا اليوم أيضا كانت تبدو نظراتها منفصلة عن العالم حولها فقد رأت حلمًا غريبًا فيه كانت تحاول الهروب من شخص يلاحقها فحبست نفسها في سجن مظلم، واستيقظت وبقيت عالقة في ذلك الحلم فبدت نظراتها تائهة في عالم آخر، ثم سمعت خبر وفاة أخيها بسرطان استشرى في رئتيه حتى تآكلتا وانقطع الاوكسجين عنهما، فحبست نفسها أكثر في ذلك السجن محاولة التجاهل، محاولة التصرف وكأنها لم تسمع، وأكملت روتين حياتها دون أن تعترف لأحد، وكأنها تخفي كومة من القشّ في مهبّ الرّيح فيتناثر و تذروه الرّيح ثانية في وجهها وليس من مهرب، إنه الضياع....

مقابلتها للموت بالتجاهل كان محيّرًا، تركت بينه وبينها مسافة وأحيانا كانت تتهوّر وتقترب كثيرا ثم تدفعه بعيدا كما صنعت مع بعض البشر...

سنون مرّت وكم نتغيّر على مرّ السنون!

 على مشارف الستين من عمرها وقفت تراقب السماء الرمادية تنهال بنبال المطر اللؤلؤية وترعد وتزبد وتومض غاضبة كمحارب عتيق، مُخلِّفة وراءها طميًّا لزجا فيه لمعت تلك الأضواء مجددا، ويبدو أنّها لم تتعلّم الدّرس فهرعتْ واندفعتْ مُقتربة منها. انطفأت كلها إلا واحدة كانت سعيدة تضحك لها، فجلست القُرفصاء وراقبتها وابتسمت لأنها لم تنطفئ، وهمست لها: أنت جميلة جدا

أجابت الدودة: أعرف.

فكَّرتْ أنها بريئة مع تلك الإجابة الطفولية، فابتسمت وسألتها: لماذا لم تخافي مني وتنطفئي؟!

قالت الدودة المضيئة بضحكة بدت خبيثة هذه المرة: لأني أردتك أن تقتربي كثيرا.

بدهشة وعدم ارتياح سألتها مجددا: لماذا؟

"لأني أردت التلاعب بمشاعرك " أجابت الدودة وهي تضيء...

كانت عيناها المُتعبتان منفرجتين لأقصى اتساع مع هذا الجواب الغريب.

قالت الدودة: اقتربي لا تخافي، المسي ضوئي وتحسّسي جلدي وقرّبيني من قلبك هناك فوق صدرك...

لم تعد تستطيع التّعجّب أكثر فكلّ كلمة وكلّ حرف عجيب!

لكنّها اقتربت وبإصبعها لمست الضوء في ذيلها؛ فأومض ولوّن إصبعها بألوان فوسفورية جميلة ثم تحسّست جلدها اللزج ورأسها الصغير ودفعتها بإصبع اليد الأخرى فوق يدها وقرَّبتها من وجهها وتأملتها: كانت مبتسمة ببراءة وعيناها تشعّ بسواد عميق وذيلها ما زال يتوّهج.

 همست: هاتان العينان!!!

ارتعشت كأنّها أصيبت بنوبة صقيع وهي تتأمل السّواد المُشعّ في تِلكُما الحلقتين الصغيرتين كأنّه الكون، كأنه الفضاء، كأنه ثقب أسود يضيع فيه كل شيء...

قالت الدودة: قربيني الآن من قلبك.

كأنها تحت تأثير سحر ما، قربتها وهي تحاول الخروج من سواد عينيها، وفوق قلبها ضمّتها وبينما كانت تحاول ضمّ أصابعها فوق جسد الدودة الصغير لسحقها، صعقتها الدودة المضيئة بكهرباء غريبة جعلتها ترتعش وتنتفض وتتقطّع أنفاسها، وتتهافت لسمعها آخر جملة قبل أن تفارق الحياة: ألم أقل لك سأتلاعب بك ..

هوت جثة هامدة تتناثر على جبينها خصلات بيضاء، وعيونها مفتوحة أقصى اتساع لها...

 الطبيب الشرعي سجّل في تقرير الوفاة:

(السيدة: س

في الستين من عمرها وُجدت ميتة نتيجة لصعقة كهربائية عالية التوتر مجهولة المصدر

    وقد وجد في قبضة يدها دودة ال "Polycirrus"

وهي نوع من الديدان المضيئة غير المؤذية..............)

اِلْتَفَتَ الطبيب نحو نافذته عندما سكت المطر فجأة ليراقب أضواءً بدأت تتلألأ، ترك القلم وخرج، انطفأت كلّها إلا واحدة ضحكت له فاقترب منها، ما لبثت أن قالت له:

اقتربْ لا تخفْ، المسْ ضوئي وتَحَسّس جلدي وقرّبني من قلبك هناك فوق صدرك...

 

 ******

نادية محمود العلي 

 

 


الثلاثاء، 21 يناير 2025

يا نسرين!

 نور-الشمس-أشعة-حرية-نسرين-كوكب-الأرض-إشارة-

يا نسرين!


صباح خجول بدأ ينثر أشعته اللطيفة رويدا رويدا كأنه يرشق قطراتٍ عذبة فوق شفاه عطشى.

لأوّل مرة أحبُّ الشمس!

لطالما عشقتُ أقطان الغيوم وهي تحجب ضوء الشمس ثم تمتص الرطوبة من الأثير ولا تلبث أن تعصرها طلا أو تنسكب منها وابلا عندما تنوء بحملها، وعشقتُ الرياح عندما تثور عاصفة أو إعصارا وتهز وجه المحيطات موجا هائجا...

كانت صديقتي (نسرين) -التي تعشق الشمس والنور- تسألني دوما مستغربة عن هذا الشغف الكئيب، وكنت دوما أخبرها أن في هذا المشهد هيبة وعظمة من لمسة الخالق؛ لكني في ذلك الصباح تجاوزت بوابة منزلي نحو السيارة، وفجأة أحسست بأشعة الشمس تتسلل إلى خلايا جسدي وتلمس فؤادي فأتنشق الصبح لتتوسع رئتي التي ثقلت من أعباء الهواء الرطب، وتدفئ قلبي الذي برد من هموم الشتاء، ويرتعش عقلي الذي يبس من سكون الأفكار حتى غدا صلدا ثقيلا في تلك الجمجمة الجوفاء ...

ركبت السيارة كالعادة، وكآلة كنت أحفظ الدرب وعند تلك اللفة التي خرجت من زحام الشارع العام إلى طريق فرعي -على جانبيه انسدلت أغصان السدر و احتضنته الجبال بين أكتافها- ابتسم الصباح في عيوني مباشرة سهامَ طاقة وحياة انغرزت في قلبي، فابتسمتُ له....

 تلك الأشعة انطلقت من رحم الشمس خطوطا مستقيمة أو أمواجا -لا فرق- تشع باستمرار حتى في ليل كرتنا الأرضية، تعطي النور للكواكب والأقمار بانعكاسها. أهي حرة؟! أم أنها مقيدة برحم أمها؟؟ أزلية أبدية؟ أم ستنطفئ يوما ما؟

لا أدري ...

تمنيتُ أن أكون مثلها منطلقة، لا عودة لرحم أمي ولا عوائق توقفني، أنعكس أو أنكسر، أغير الزوايا والالتفافات، إلا أني دائما أحلق حرة أعطي وأعطي حتى أنطفأ...

كنت أصغي لأنغام فيروز لكني أطفأت مشغل الموسيقى في سيارتي، احتجت للصمت وتناهى لسمعي ضجيج ممزوج بزقزقة عصافير نسجتْ من أغصان السدر أوطانا لها.

أصغيتُ وأصغيتُ وهُيئ إليّ أن لأشعة الشمس صوتا، سمعته يهمس لي:

"أرأيتِ كلّ السيارات التي تجاوزتك من دون صبر وجعلتك تغيرين المسار وتثورين بعصبية قليلا؟

عند الإشارة الحمراء توقفتم جميعا معا، لم يسبق أحدٌ أحدًا، وعند الضوء الأخضر أسرعوا بجنون ولكن توقفتم مجددا جميعا معا عند الإشارة الحمراء التالية ولم يسبق أحد أحدا، أليس الوقت مجرد اختراع بشري نسبي؟!

 في النهاية ستصلون يا صغيرتي معا. لو كانوا يعلمون"

وتأسفتْ الأشعة على البشر، على طغاة حجبوها عن أسرى وسجناء معتقلين تحت الأرض، حاولتْ بكل قوتها اختراق الطبقات المظلمة ولكن من دون جدوى، حاولت أن تضيء شعلة أطفال ولدوا في الظلام ولم يعرفوا الكلام ولم يُسموا المسميات بأسمائها وربما تعلموا لغة الظلمة والخوف، وأناس ولدوا في النور إلا أن الظلمة ابتلعتهم ونسوا أسماءهم والمُسميات وتوقفوا عن حساب الأيام والوقت....

 أقسمت لي أن بصيصا صغيرا منها كان يتسرب قليلا دون أن يلاحظوه ولم يعط الأمل بيوم جديد لهم لأن وحشية البشر فاقت لطافة الشمس، وعذاب الأسر فاق نشوة حريتها...

 تأسفتْ أشعة الشمس مجددا على كوكب الأرض، إلا أنها عانقتني وقبّلت جلدي و وعدتني بأن شحنتها من النور ستصل كل يوم إلى قلبي، وهمّتْ بالابتعاد عني لكني استوقفتها:

-لا ترحلي!

-اممم!!!

-أريد أن أسمعك

-فهمت...

في رحم أمي الشمس كتلة من جليد مظلم ولدتني، وعندما تنطفئ أمي ستتحول ثقبا أسودا في الفضاء...

الجليد يحرق ويلسع والنار أيضا ...

صغيرتي لا أدري إن كنت تفهمين، بمجرد أن نُخلق فنحن لسنا أحرارا أبدا، وقد يكون غريبا أن أقول لك أن النور والظلام واحد، نعيش في كلتيهما، ولكلٍ منهما طاقة، تعلمي أن تستشعريها وتغربليها وتصطفيها...

-هل تعودين لأمك الشمس أم أنك تتشتتين وتفنين في الفضاء الواسع؟

-أظلّ محلقة، تارة أحنو وتارة أقسو، تارة أنفث نسيما وتارة لهيبا حارقا، لا أفنى، تمتصني المخلوقات أو أتحوّل لطاقة، وتارة يشدني الحنين للعودة إلا أني لا ألتفتُ أبدا، أنت ترين ماضيَّ ومستقبلي يا صديقتي...

-لماذا لا أشعر بالارتباط بمكان أو زمان؟

- لأنك مثلي........


 هذي المرة ابتسمتْ وانطلقتْ دون انتظار لأنّها لا تستطيع التوقف، ابتسمتُ لها ولوحتُ لها وما زال نسيم التفافها يلفح وجهي وأنا بشوق لصباح يوم جديد...

عند الظهيرة لم يعد الصباح خجولا وبات يضرب بسيوف الشمس الحارقة، ولكني سأبقى في الظل أنتظر الصباح التالي بشغف، فلولا الشمس ما كان الظل... ما كان الصباح ...ما كان يوم جديد...

نسرين صديقتي الآن عرفتُ لماذا تحبين الشمس ...

****

نادية محمود العلي  

الأحد، 18 أغسطس 2024

أزهار الظل

 ظل-زهرة-موت-حياة-مطر-حديقة-أشباح-أقران-نوم-

أزهار الظل  



أزهار الظل  

أغلق الستارة جيدا بحيث لم يسمح لأي ضوء أن يتسرب، وأطفأ الأضواء في غرفته استعدادا للنوم، راجيا أن يغوص في سريره ويباغته النوم بضربة قوية حدّ الإغماء فلا يشعر بشيء حتى الصباح..

أرجع رأسه على الوسادة وأغمض عينيه علّه يرى الظلام فقط، منتظرا أن يغوص في قاع النوم دون وعي، ولكن صوت المطر أرغمه على فتح عينيه والاصغاء لضجيج قطراته المتراشقة   على رصيف وإسفلت الشارع، وتسلّلت ظلال الأعمدة والأشجار والأبنية من خلف ستارة النافذة المُحكَمة الإغلاق، وتسربت منها متشابهة لا ملامح لها مثل بيادق الشطرنج، ثم امتدت وانقبضت  فتكورت بقعةً واحدة على الجدار قريبا من السقف ...

بدت البقعة حفرةَ زمنٍ سحيقة تقبع مخاوفنا فيها كوابيسا تلاحقنا، فهزّ رأسه ليطرد أفكاره وظلالها، جلس ثم وقف، تأمّل طويلا ثم اقترب من الجدار وانعكس ظله فوق البقعة، توقف وأمال رأسه فانحنى معه الظل بلا أبعاد بلا زوايا بلا عمق...

تساءل: (أَظِلالنا أشباح؟ أم أقران؟!)

رجع خطوات للوراء فابتعد ظله في الجدار، عاد ليستلقي وعيناه مُسمّرتان في بقعة الظلال التي بدأت تتوّسع وتتشتّت إلى خيوط وأشكال مختلفة تتناثر على الجدران والسقف كلما مرت سيارة في الشارع، في الواقع بدت مثل أشباح تخترق الجدار القابع أمامه بكل سلاسة ثم تتجمد ناظرة إليه...

سرى البرد في أطرافه وارتعش كأنه يتجمد، ولا يدري لمَ تراءت لمخيلته من بين الظلال تلك صورةَ أمه في كفنها الأبيض: فمها وفتحات أنفها محشوة بالقطن ووجهها مقطب الجبين مصفر مثل زهرة "القُرّاص الميت"، تزهر في الظلّ، هناك في الحفرة التي تحتضنها حتى يوم الحشر، ثم تنهض ظلالا مع البشر تمتد وتمتد وهي تنتظر مصيرها...

 تهافتت صورة والده الذي تخَضَّبت شفتيه بالدماء المتدفقة من أحشائه ساعة موته، كزهرة "سوسن جرماني أسود"، رافع الرأس خاضع النظرات، في حفرته تلك يزهر في الظل وسينهض يوما ويمتدّ و يمتدّ مع ظلال الحشر...

وهنا تمايل أمامه ظلُّها، ما زال ملتهبا يشهق الحبّ ويزفر الرّغبة ثم يذوي في حفرته زهرةَ "نرجس برّي "تزهر في الظل، وستنهض يوما من تابوتها لتمتد وتمتد ظلا يتهادى لمصيره بين الحشود...

تسابقت الظلال أمام مخيلته تبتلع على التوالي بدون رحمة صور كلّ من مرّ في حياته مثل أشباح سوداء عملاقة خطت خطوة واحدة سريعة قوية، فكانت دوسة أوّل قدم في المهد والثانية واسعة ممتدة حتى اللحد، وما بين الاثنتين يغشى حلمٌ غامض، لو خرج الأسوأ فينا لكان كابوسا حالك السواد وإلا فإنه ومضات "ديجا فو" تتراءى سريعة كنسيان ينبض ثم يموت في سكون، كحياة أخرى عشناها ثم دفنها الدماغ في الخلايا الرمادية كتابا مُشّفر بشيفرات الظلال...

ظلالٌ تصارع النسيان في غابة الأشباح، حيث نباتات وأزهار الظل تنمو ملتصقة بالتراب تحت جذوع أشجار الظلام الباسقة، ترشف الندى كلّ صباح وتمتد عريشا تُعشّش فيه طفيليات وحشرات وطيور مفروطةٌ ريشاتُ أجنحتها، توالدت أجيالا لا تعرف الطيران وتخبئ بيضها بين الظلال، وتخاف من النور لأنه يعمي بصرها...

 شعر ببرد وألم شديد في أطرافه فغطاها بدثار آخر وبدأ يفركها ببعضها علّه يشعر بالدفء، وأرجع رأسه وهو يئن ليغوص في الوسادة، وكل ما أراده أن ينام...

تسربت من أطراف جفنيه قطرات مالحة دافئة جعلت وجنتيه دافئتين ولكن أطرافه ظلت باردة، وهمس: أريد أن أنام...

أمال رأسه قليلا تجاه الجدار وخُيّل إليه أنه يرى ظل دموعه الحارقة التي لم تستطع أن تدفئ أطرافه...

 أراد أن يغلق جفنيه وينام لكن عينيه ظلت محملقة في الظل هناك تتسرب منها قطرات حارة جدا ما زالت غير قادرة على تدفئة أطرافه...

-أريد أن أنام ...

بردت القطرات وتجمدت على وجنتيه وعيونه ظلت محملقة في الظل على الجدار هناك، مفتوحة جاحظة لم يباغتها النوم بضربة وإنما باغتتها الظلال بنفثات باردة باردة جدا حتى تجمدت الحياة في عروقه وانضمت روحه الى أقرانها على الجدار الذي بدا حديقةً من أزهار الظل..

ولم ينم ....

تُرى أيّ زهرة ظلّ سيكون؟! 

 

 ****

نادية محمود العلي 

الخميس، 18 أبريل 2024

نعمة أم نقمة؟!

عجز-مكتسب-فيل-عاصفة-قيد-سجن-وقت-آريز-عدو-سجان-مطرحرية-

نعمة أم نقمة ؟!


في عينيها كان الصمت والصخب، النور والظلام، الشهوة والزهد، الأمل واليأس، الفضيلة والرذيلة، البراءة والتلاعب، الحكمة والجنون، وكان فيهما الحب لكن من دون الكره، وهذه كانت ميزتها...

أكانت عيناها نعمة أم نقمة؟!

مشت مرفوعة الرأس كظافر، مفتوحة الصدر كمحارب، رشيقة القوام كأنثى كاملة، ينضح جسدها بالثورة وتفيض محيطات الحب في عيونها؛ فكان يراه الرجال رغبة وشهوة، وتراه النساء أنوثة وتواضعا، ويراه الأطفال حبا ولطافة، والشيوخ يرونه كرما ورحمة، باختصار كانت محبوبة الجميع...

لا أعداء؟!

بالطبع دوما هناك عدّو ولو قلّ عديده؛ لكن عدوها كان يُهزم لأنها محاطة بمحبة ودعم الجميع ...

لم تكن تعلم أن لميزتها تلك القوة، قوة هائلة حتى لتغير العالم من حولها...

يمكنها التلاعب بمشاعر الآخرين لكنها لا تفعل، هذا سيعطي ميزتها قوة أكبر لأنها تزيدها تواضعا وصدقا وبالتالي حبا...

تتعب أحيانا لأنها بشر لكنها حتى في تعبها معطاءة...

لم تكن ملاكا فلا وجود للملائكة على الأرض، ولم تكن شيطانة فالشياطين لا تتلبس الحب، ولم تكن قوية محنكة إلا أنّ ضعفها هو قوتها وحنكتها في حدسها الذي لا يخطئ....

وكانت تعرف متى تنسحب ومتى تبادر، متى تصدق ومتى تكذب، متى تكون قديسة ومتى تكون مذنبة إلى أن حدث ما حدث....

عدوُّ أناني ومتملك وقع في حبها وأقسم أن يمتلكها، فتبعها في كل خطوة منتظرا أن يصطادها كلبؤة أو ربما كفراشة، فقد كان يراها قوية ملكة كاللبؤة ولطيفة جميلة رقيقة كالفراشة، والاثنتين اصطيادهما صعب...إذن؟؟؟؟

فكر وفكر ثم عبس وبسر ثم انفرجت أساريره عندما قرّر أن يصطادها بسلاحها " الحب".

لم تكن تعلم أن العدو يمكن أن يعطي الحب، فوقعت في فخه كفراشة رقيقة ثم حاولت أن تلوذ بالفرار كلبؤة جريحة، ولكن عبثا...

عدوّها وصيادها أعطاها الحب والاهتمام لكنه حاول ترويضها بالقسوة والتملك والأنانية، غللها بالأصفاد وربط عنقها بطوق ضيق...

 صفعها أحيانا وأحيانا قبّل خديها، قصّ جناحيها ثم تحداها أن تطير، ضربها بالسوط ثم حاول مداوة جروحها، استعبدها ثم نزل عند قدميها يقبلهما، اغتصبها ثم طلب منها أن تبقى عذراء شريفة، أطفأ جذوة الحب في عينيها ثم سألها الحب والطاعة...

عيّن العدو عليها سجانا يراقبها ليلا ونهارا، وتوسّلت إلي السجان أن يجعلها تهرب من زنزانة عدوها ولكنه كان صامتا دوما، يجلس القرفصاء بعيدا يراقبها من بين قضبان باب سجنها، يبتسم تارة وتارة يعبس، يقدم لها كل ما تحتاجه، ويربت على يدها في كل مرة، وفي كل مرة تمسك بيده  وتستجديه أن يفتح لها السجن...

رويدا رويدا توقفت عن الاستجداء، وفي ذات ليلة كانت فيها الريح تصفق كل شي مسطح وتصفر في كل شيء مجوف وتهز كل شي واقف له جذور وتحمل معها كل ما هو يتدحرج أو هشا، حملت طبشورا عتيقا وبدأت ترسم فيها على جدار زنزانتها رياحا غاضبة بوجه مخيف وبشريّا مقوس الظهر يبتسم ابتسامة شريرة ويقطر من يديه الدم قطرات صنعت بركة تحت قدميه، واسترقت نظرة لسجانها الذي بدا غير مهتم إلا أنها بدأت تحكي فجأة حكاية فقالت:

كان ياما كان، رياح لطيفة هادئة تتجول يوميا في البراري وهي تعزف نايًّا كان كل من يسمعه يغرق في نشوة الفرح والأمان، ولم تكن تغضب أبدا لأن مهمتها نشر السعادة والسلام بين المخلوقات، حتى جاء اليوم الذي اصطدمت فيه برجل تقطر من يديه الدماء لأنه يرتكب المعاصي ويقتل الأبرياء ويسعى في الأرض فسادا. عزفت له الريح ودغدغته وحاولت طويلا أن تغيره إلا أنه استمر بسفك الدماء والتمادي حتى غضبت الريح وقررت أن تعاقبه فكانت أول عاصفة في التاريخ، صفقت ظهره حتى تحدب، ونفخت في أذنيه حتى صُمّ، ودحرجته حتى طار ثم رمته على الصخور حتى تهشم وألقمته للمحيط ليبتلعه في أحشائه المظلمة، ومنذ ذلك الوقت كلما ارتكب أحدهم إثما ولم يرتدع تهبّ العاصفة وتقتلعه.

استرقت النظر بطرف عينيها إلا أن السجّان لم يحرك ساكنا...

 لم تكن واثقة إن كان يصغي إلا أن ذلك خفف من وحدتها ومن خوفها، وصارت تحكي في كل ليلة حكاية وترسم على جدران زنزانتها لوحة لكل قصة، كان السجان يتأمل في كل مرة طويلا رسمتها وكانت تلاحظ بصعوبة ابتسامة مخفية في عينيه وفي زاوية شفتيه...

تكرر كل شيء بصورة أو بأخرى وصار روتينا اعتاده الاثنان، ورابطة خفية انعقدت بين الطرفين مع العشرة والسنون حتى جاء ذلك اليوم الذي نطق فيه سجانها لأول مرة...

كانت ليلة دعجاء عاصفة، نبالٌ من المطر انهالت من جعبة السماء وقذفتها الريح الهوجاء لتضرب الأبواب والنوافذ والأرصفة وتلوي الأشجار كأنها تشدها من شعرها حد الاقتلاع، ويبرق الضوء ثم يدوي الرعد كزمجرة وحشٍ هائج، وفجأة دُفع الباب الخارجي ورشقت الرياح قطرات المطر كحبات اللؤلؤ من خلال قضبان باب السجن، ثم نفخت شعرها الأسود للوراء وتطاير ثوبها فوق جسدها الناعم المُعذب فبدت كأميرة في حكايات الأجداد، ومن وراء درفتي الباب الخارجي ولج جسد مفتول العضلات مبلول الثياب وبزنديه حاول بصعوبة إغلاق الباب في وجه الريح ، ثم التفت إليها وفي عينيه إصرار غريب متجها نحوها تضيء قسمات وجهه الجدّي مع كل ومضة برق، وبالكاد عرفته ، إنه سجانها الذي عيّنه عدوها عليها...

همس -ولأول مرة تسمع صوته حتى ظنته أخرسا-: سأحكي لك اليوم أنا حكاية ...

ابتسمت فتابع دون أن ينتظر إجابة:

-كان يا ما كان، كان هناك فيل صغير جدا أخذوه من أمه عنوة وهو يرضع، ربطوا إحدى قدميه بحبل قوي جدا وأبقوه في السيرك عندهم يدربونه ويضربونه تارة وتارة يكافئونه حتى اعتاد أن يتصرف كما يريدون، وكبر فيل السيرك الصغير وهو مربوط بنفس الحبل لكنه أصبح فيلا ضخما لو شد رجله لانقطع الحبل بسهولة واستطاع الهرب، ولكن هل تعرفين ماذا جرى؟!

حدّقت فيه طويلا مستغربة، وحدق فيها بعينين مفتوحتين حد الانفراج ونظراته كانت كرشقات تلك الريح عندما اندفعت من خلف الباب، تابع:

-حسنا ذلك الفيل لم يكسر قيده ولم يقطع حبله الهشّ بل اعتاد الأسر والسجن والاستعباد وظن أنه غير قادر لأنه اُسْتعبِد منذ طفولته، واستشرى العجز في تفكيره.

سكت السجان وابتعد قليلا وجلس القرفصاء كعادته يراقبها، وهي ظلت جامدة تحدّق فيه طويلا، ثم أطرقت ثم حملت طبشورتها ورسمت على الجدار فيلا صغيرا مربوطا بحبل، ثم فيلا كبيرا قطع الحبل وصاحت به: هيه! انظر يا صديقي!

تأمّل الرسم كعادته وهذه المرة لم يخفِ ابتسامته، فنظرت إليه بحبّ، ومدَّتْ يدها بخوف وفتحت باب زنزانتها الذي لم يكن مغلقا أبدا، فأصدر أنينا صدئا وهو يُفتح...

لأول مرة وقفت أمام سجانها وجها لوجه دون حاجز، وكانت ملابسه المبللة من المطر قد رشحت البلل حتى عظامه وبدأ يرتجف من البرد، وبرق البرق وأضاء وجهه الذي ما زال مبتسما، ولاحظت بضع شعرات بيضاء على مفرق شعره وصدغيه، ثم عانقته بقوة حتى سحبت البرد من عظامه وأشعلت جذوة نار لتدفئته، وهمّت بالخروج ببطء شديد فأوقفها:

-هييه! قد تضربك العاصفة!

-اطمئن لن تضرب إلا الخاطئين.

ولمع البرق في تلك اللحظة ورآها كلوحة من رسوماتها على ذلك الجدار، وهي تلتفت لتتجه نحو العالم الخارجي:

 انسدل شعرها الأسود على كتفها وعيناها كانتا مضيئتين كنجمتين، ولاحظ وسوم القيد على كاحلها  ورسغها، وقد شدت قبضتها بقوة كأنها مُقدمة على معركة، فبدت كآلهة الحرب " آريز".

  خرجت ببطء كطفل يخطو لأول مرة وما لبثت الريح تدفعها دفعا حتى بدأت تركض...

لقد مرّت سنون الأسر كتلك العاصفة، سريعة مدمرة، ثم سكنت العاصفة وهربت من عدوها وسجانها وجلادها...

ما زال أنين الريح يضرب في أذنيها وما زالت دوامة الإعصار تتقاذفها وما زال أثر قيدها يطوّقها...

كيف يمكن النسيان!!!

النسيان يحتاج وقتا، وإصلاح ما دمرته العاصفة يحتاج وقتا ولكن هل يمكن للوقت أن يصلح ما أفسده الزمن في نفوسنا؟!

ثانية مشت مرفوعة الرأس كظافر هارب، مفتوحة الصدر كمحارب مخضرم، رشيقة القوام كأنثى ناضجة، ينضح جسدها بآثار القيود وتفيض عيونها بظلال سوداء كموجات المحيط في الليالي المظلمة؛ فكان يراه الرجال ضعف أنثوي مغري، وتراه النساء قوة وتواضعا، ويراه الأطفال مثيرا للاهتمام وفضوليا، والشيوخ يرونه غموضا ولطفا، وباختصار ظلت محبوبة الجميع، إلا أنها خائفة من عدوّ يتربص بها ووقت ينفد قبل أن تلملم شتات ذاتها. ...

همست وهدب الجفون تحاول أن تمنع فيض موجات المحيط الأسود من عينيها:

-صديقي السجان! حتى لو هرب الفيل كيف سيقطع الحبال التي انعقدت داخله متشابكة كشبكة معقدة استشرت في عروق قلبه وعصبونات دماغه، فأصابت قلبه بسكتة المشاعر ودماغه بجلطة العجز عن التفكير؟!

توسعت عيناها بذهول وهي تسمع صوتا يجيبها:

-ماذا عن الروح؟ الروح حرة وطاقتها جارفة، حرريها من أسرها...

  تكاد تقسم أن الصوت صوت صديقها السّجّان...

 

 ****

 نادية محمود العلي 

 

 

 

 

 

السبت، 27 يناير 2024

مشاعر معدنية

 ارتباط-جماد-حنين-ذكرى-معدنية-صديقة-قهوة-خطو


مشاعر معدنية 



أجفاني تنفرج ببطء ثم تنغلق ببطء وكأنها تمسح الغشاوة عن ملتحمة عيني المُغبشة بدموع مخنوقة انعكست فيها خيوط قهوتي السوداء التي تركت آثارها في قعر فنجاني الأبيض ...

 تأمّلتُ تلك الخطوط السوداء طويلا وهي تنحني وتنثني وتتلوّى في داخل الفنجان راسمة أنماطا وأشكالا أتوهمها ما أشاء، ترسم ضعفي ...ترسم قوتي ...ترسم حزني وفرحي ...تتفنن برسم رغباتي ثم خيبة أملي ....

أغلق الجفون مرة أخرى ببطء إغلاقة طويلة وكأن الأهداب تكنس الديمة المنهمرة إلى قناة الدمع في الزاوية وتجبرها على العودة إلى مجراها.... أتساءل:

لمَ نرتبط بالجماد كارتباطنا بالأحياء؟!

لمَ نجد صعوبة في التخلي عن أشيائنا؟!

لمَ نحزن عندما نفارق أرضا أو منزلا؟!

أ لأنّ دماغنا يربط المشاعر مع الأشياء المادية بطريقة الذكرى والحنين؟!

سأسرق الوقت وسأحكي لنفسي ولك تلك القصة عن صغيرة اشتريتها صدفة، في الواقع كانت صغيرة الحجم، عتيقة العمر، بسيطة جدا وأصيلة جدا ومعدنية جدا ...

سرنا أنا وهي ساعات في كل يوم ملتحمين معا، نقطع الدروب معا، نقتحم السراب على الإسفلت، و تلفحنا رياح الصيف والشتاء، وتبللنا قطرات الندى في باكورة الصباح، يرشقنا المطر وتحرقنا أشعة الشمس، تداعبنا انكسارات الشمس الغاربة وهي تنسلّ متعبة خلف الجبال الباسقة ثم يسدل علينا الليل وشاحه الأسود الموشى بنجوم لامعة، نصغي لأنغام الموسيقا الصاخبة تارة والهادئة تارة، وقد التحمت أصابعي مع مقودها المدّور وأزرارها وإشاراتها.

  كانت تصغي لي دون أن تحاكمني ودون أن تقاطعني، حضنت  دمعتي وابتسامتي وسري، استوعبت هدوئي وغضبي، وثقت بي تلك الصغيرة، وكانت تنتظرني دوما دون حراك في البرد والحرارة والعواصف الهوجاء، وأنا ... أنا خذلتها مرتين...

لكني في المرة الأخيرة لن أنساها في ساحة الخردة تنتظرني وحيدةً محطمةَ الجانب مكسورة الأذرع، مهشمة النوافذ، مشروخة الهيكل والروح، وكنتُ جبانة جدا حتى من أن أقترب منها وأودعها مع أنني سمعتها تسامحني، همستْ لي: "أنا خائفة عليكِ " ثم أخبرتني أنها لا تلومني فكلنا نرتكب أخطاء...

لم تطلب مني حتى مبرّرات لفعلتي وخطأي، في وقتٍ تعبتُ فيه من التبرير -وأنا بريئة- لأقرب المقرّبين...

 وإن كان يعزّي تلك الصغيرة المعدنية أني كنتُ ضعيفة أيضا مثلها، مكسورة الجناح، وذهني مشوش، محبوسة روحي في جسدي متمنية التحرر، وفي الليل أتقلّب متألمة وأستيقظ وكأن يدا تغرز خنجرا في كتفي عميقا مخترقا العظم حتى الظهر، تطعنه بقوة باسمة وهي تذرو بأصابعها الملح على الجرح ...

كان لي الخيار، واخترت التخلي عن صديقتي الصغيرة دون حتى أن أربت على كتفها وأواسيها أو أشكرها وأخبرها أنها كانت صديقتي الوفية المعطاءة وكنتُ صديقة أنانية وغاضبة لدرجة أن أستغني عنها ولا أقدم لها المساعدة بأن أصلحها وأسترجعها، وألا أبيعها للغرباء ...

والآن مسافات شاسعة تفصلنا، وترسل لي هدية تأمينها...

هل تسامحني هي؟ هل تسامحني أنت؟ هل أسامح أنا؟!

تبًا هل يمكن أن نعود يوما لنصلح أخطاءنا!!!

ها أنا أحتسي آخر رشفة من إدماني، وخطوط قهوتي هذه المرة لن تظهر لأني شربتها في فنجان أسود و وأدتُها في وحل أسود...

 

 *****

 نادية محمود العلي 

 

 

 

الجمعة، 12 يناير 2024

فانتازيا تحكيها الجبال

فانتازيا-جبال-أمي-جدتي-إنسان-لغة-ديناصور-عمالقة-موت-تاريخ-خرائط 

فانتازيا تحكيها الجبال


 أخي! هل فكرتَ يوما أن الجماد ليس بجماد؟ وأنّ الصخور تشعر وتنطق بلغة خاصة، ولها القوة لتحكم وتسيطر؟!

 إذا سأحكي لك يا أخي قصةَ أو ربما أسطورةَ بلاد جديدة إن سألتني عنها سأقول: جبال...  سأقول هي على كوكب الأرض إلا أنها تبدو بِكْرا لم تعبث بها يد الإنسان، لا أدري إن كنت أبالغ لو قلت إنها كالمريخ...

منذ وطأت قدمي هذي الأرض أو بالأحرى منذ حلقت الطائرة فوقها، رأيت من الأعلى ما كنت أراه في الخرائط الجغرافية حيث تبدو الحدود واضحة بين اليابس والماء وتتدرج ألوان المحيطات والبحر الأزرق مع تدرجات ألوان اليابسة البنية بتدرج مذهل   كأنها رُسمت بتقنية الأبعاد المتعددة ...

 بقدر ما كانت الخطوط بين البحر الأزرق واليابسة البنية واضحة وحادة، بقدر ما كانت متناغمة ومتعانقة بلمسة جمالٍ إلهيٍ ُمحكم الصنع والخلق، وقد بدت من الأعلى بقع متداخلة في اليابس بلون قاتم لا شك أنها الجبال تكاتفت بقوة رغم هرمها وطعونها في السن...

 وعندما ركبتُ السيارة كانت تتراءى أمام عيوني الجبال والجبال والجبال فقط، وكانت ريح دافئة تلفح وجنتي وترشق وجهي بأنفاس جافة ساخنة كأنها زفرات وتنهدات هذي العمالقة الضخام حولي، وترهق أذني بذبذبات قد تضحك إن أخبرتكَ أنها كذبذبات الكواكب والفضائيين، ربما هي لغة الصخور تخاطبنا أو تخاطب بعضها، كأنها عمالقة كانت تتصارع ذات يوم "كان وياما كان" ثم تجمدت وتحجرت وتراكبت فوقها طبقات الزمن ملونة إياها بتدرّجات الرمادي والصدأ، كأنها احترقت واقفة من دون ألم، من دون صراخ...

 عيوني تمسح الطريق الذي شقته عنوة وحوش معدنية جرّارة في صدور الجبال الصلدة، والسراب من بعيد يتراءى على الإسفلت كواحات ماء أو بقايا أمطار غزيرة كلما اعتقدتَ أنك ستدوسها سابقتكَ إلى الأمام بعيدا، لا أحد يا أخي يلحق أو يسبق أو يمسّ السّراب ...

في كلّ مرّة أنظر إلى الجبال حولي تبدو وكأنها أول مرة ...

مخيلتي ترسم أساطير حولها كمخيلة طفل صغير، أفكر أحيانا بمنطقية وعلمية بأنها براكين ثارت عندما تشكلت أمنا الأرض، وكانت نارا ملتهبة تغلي بالمعادن المنصهرة   ثم بدأت تخمد وتبرد رويدا رويدا لتتحوّل إلى صخور متراكبة، وربما هذا سبب تلك الذبذبات المغناطيسية التي تصدر منها وذلك الطنين الذي يرافقها ...

وتارة أخرى أفكر بخيالية وجنون وخاصة عندما أرى ظهر ذلك الجبل الضخم خلف بيتي تعلوه مُسننات مثلثية رمادية كأنها حراشف ضخمة، وبشيء من الفانتازيا المضحكة أتخيل أنه كان ديناصورا مهاجرا مع أترابه من قطعان الديناصورات إلا أنه احترق بنيازك رشقت أمنا الأرض أو بصقيع عاصفة ثلجية هائلة، ثمّ تصلّب وتحجّر وتراكمت فوقه طبقات الرمال والسنون، ولوهلة أتخيل نهوضه فجأة يصيح وينفض الغبار والحجارة عنه ثم يمشي الهُوينا ساحقا بأقدامه الضخمة كل ما في طريقه كما في ذلك الفلم الخيالي (غودزيلا)....

والفكرة التي لازمتني دوما منذ أول لحظة كانت أنّ هذه الجبال تشبه أمي...

نعم أمي التي لا أتذكرها إلا وهي هرمة حتى في الثلاثينيات من عمرها..

لن أقول خطَّ الشيب شعرها بل أنه غزاه حتى أحاله هشيما أبيض...

لن أقول ريشة الزمن رسمت خطوطا على صفحة وجهها، بل سأقول إن إزميله حفر أخاديدا في ثناياها كهذه الجبال حولي حفرت فيها عوامل التعرية على مرّ السنون...

أمي بدت كجبل صارع الزمن وبقي واقفا في وجه الريح، داسته أقدام المتسلقين ولم تترك أثرا، وحاولت المدنية هدمه أو شقه ولم تفلح...

أمي بيديها العاريتين المجعدتين كانت تحمل الحجارة الضخمة وتُرتبها لَبِنَةً لبنة فوق طبقات الطين؛ لتبني دارها في الوطن وهي تتباهى بقوة ذراعيها وقدرتها على حمل الأشياء الثقيلة، فأسرع الهرم بكسرها حتى يطفئ غرورها ...

ولن أنسى جدتي التي يبست أطرافها وانحنى ظهرها وأقعدتها السنون المائة من دون حراك، وارتخت طبقات جلدها فوق وجنتيها حتى تدلّت أسفل رقبتها، وبرغم كل شيء تبتسم فتنفرج أساريرها اليابسة كما يتشقق قالب الكعك في الفرن الساخن، وما زالت أجفانها متدلية فوق رموشها محاولة طمس تلك الابتسامة، وهي تحكي لي حكايا تاريخية عن أيام الاحتلال العثماني وأيام "السفربرلك" الصعبة والاحتلال الفرنسي, وكأنها كتاب تاريخ ناطق، وكأنها جبل تراكمت فوق ظهره ألواح كبيرة خطت عليها الدهور تاريخا لم يكن بذاك السخاء والعطاء، كان غنيا بالفقر واليأس والعذاب والظلم...

الآن فقط تمرّ سيارتي بجانب تلك السلاسل الأزلية وأفتح شباكي لتلفحني صديقتي الرياح، وتتكسر فوق أجفاني باكورة أشعة الصباح، فأتأمل ذلك الضباب الذي بدا كدخان نار أشعلها تلامس أشعة الشمس مع ندى سطوح الجبال، فتتجمع غيوما بيضاء صغيرة متناثرة هنا وهناك فوق سفوحها المنخفضة، وبدا غريبا وجودها هناك في الأسفل عند أذيال الجبل وهو ماشق رأسه أعلى منها بكثير وكأنها تتوسل للجبل ليرفعها عاليا -فالغيوم مكانها فوق في السماء- وعندما سمح الجبل لها بالارتقاء أخيرا تبددّت بحرارة الصباح التي بدأت بالارتفاع...

  جدتي وأمي ترقدان بسلام بين أقرانهما، كلّ جبل ملقٍ رأسه على كتف أخيه، والجميع نائمون غير آبهون للحصى التي تلقيها الرياح، ولا لأزاميل الإنسان وشفرات الآلات، ولا لصدى هدير السيارات...

تمنيتُ لوهلة أننا عندما نموت نتحوّل إلى جبال....

أخي! هل تنهض الجبال يوما ما عندما ينفخُ في المزمار؟!


******

 نادية محمود العلي