الثلاثاء، 2 يونيو 2026

نحو حياة بسيطة

 نحو-حياة-بسيطة-أسرة-فراشة-البقاء-للأقوى-عيون-والدين-فراشة-شمس-ضوء-أمل-

نحوّ حياة بسيطة



وُجدت الكلمات واللغة للتواصل والتعبير رغم أنها قد تخذلنا أحيانا فنتوكأ على عصى العجزاللغوي، ونتوارى خلف جدار الإفلاس الكلامي. و وُجدت الصور لتحاكي اللحظة وتنقلها بحيادية، ولكنها قد تفشل في إيضاح التفاصيل، وتكذب في تحليل ما وراء العيون وتخدعنا بزاوية الإضاءة. لذلك في تلك اللحظة التي كان فيها والداها يتجادلان حتى فاضت الكلمات وتحوّل الى صراع انتهى بقذف والدتها لفنجان القهوة على الجدار متناثرا الى قطع ترامت هنا وهناك وبقع سوداء توّسدت البلاط هنا وهناك، كانت طريقتها في التعبير  بأن بدأت بجمع القطع المتناثرة ومسح بقع القهوة " إنها غير جميلة " قالت ، غسلت القطع التي لم تتكسر نهائيا وجمعتها في علبة بعد أن قلّبت بين يديها أكبر قطعة وقرأت:

“To a simple life”

"نحوّ حياة بسيطة"


منذ سنين كانت طفلة صغيرة وكانت تظن أن أسرتها هي الأسرة المثالية :

والدان متحابان شغوفان يغمران العائلة بكلّ الحبّ ويلبيّان متطلبات أطفالهما، ولم يكن ينقصها شيء.

كانت عيونها في ذلك الوقت نصف مغمضتين وكانت والدتها دوما تخبرها أن تفتحهما جيدا حتى سمعت كلامها، ولكن عندما فتحتهما كان الضوء شديدا كالصاعقة التي جعلتها تتنبه لما حولها ...

لم تكن أسرة مثالية ...

كانوا صغارا وكانت تنجح والدتها في إخفاء تلك الثغرة وترقيع الفجوات في ستارالعائلة، حتى كبروا وباتت كل اللغات والصور تعجز في إخفاء الحقيقة وتجميل التشوهات وترقيع الفجوات ....

لوم الوالدين غير مجدٍ أبدا، فلو لمنا والدينا على ما نحن عليه وعلى أخطائنا إذن فكل الأخطاء مبرّرة وكل الأمراض النفسية مبرّرة وكلّ الأشخاص لديهم العذر كي يرتكبوا الجرائم والتجاوزات...

تلك الذكريات والكلمات والتصرفات التي تنحفر في عقلنا ونحن صغار وتبقى منقوشة على جدار قلوبنا ونحن كبار تقودنا إلى طريقين:

الأول: أن نصبح نسخة من والدينا.

الثاني: أن نقضي عمرنا نحاول أن نتجنب أخطاءهم ونكون غيرهم .

بكت لأنها خافت أن تعلق في نفس الشبكة وتكون كأمّها محاصرة بأشخاص نرجسيين.

بكت لأنها كل ما كانت تتمناه :

حياة بسيطة فيها السلام والأمان : بيانو تداعب أناملها مفاتيحه، قطة تتمسح بها وتموء لإطعامها، الاصغاء لقائمة بأروع السمفونيات وهي تمارس هواياتها، وأولا تتمنى سقف عائلة متحابة .

في تلك اللحظة استفاقت وتأملت القطع المكسورة وبرقت عيناها :

-أها سأصنع شيئا مميزا بهذي القطع....

أذابت شمعة كبيرة وغرست القطع المتناثرة في الشمع لترسم فيه نمطا فنيا جميلا بدا فيه كأنّ الكوب عاد إلى الحياة بطريقة أخرى ، مكسور لكنه متلاصق على شكل درجات وتداخلات فنية ظهرت فيه جملة :

   to a simple life

تأملت بعينين متعبتين الكوب، وكان الفجر قد بزغ فاقتربت من النافذة لتلمح فراشة تدرّجت جناحاها بألوان البني –بدءا من اللون الطحيني الفاتح الى الخشبي الى الترابي فالبني الغامق-وكانت الفراشة تقف بلا حراك فنقرتها بإصبعها من خلف شباك النافذة إلا أنها لم تتحرك ،ثم زادت رتم النقرات وضربت أصابعها بقوة فاهتز الشبك إلا أن الفراشة لم تتحرك أيضا، فظنت أنها ميتة، وتفاجأت بأخواتٍ لها يقفن على الطرف الآخر من النافذة ساكنات جامدات ميتات ....

في تلك اللحظات بزغ شعاع لطيف كان كسهمٍ من نور الشمس لامس جناحي الفراشة فطارت من غير تردد، ثم لامس شعاع آخر أختها فطارت أيضا ...

الغريب أن ضياء الفجر كان قد أنار البسيطة إلا أن الفراشات لم تستجب إلا لشعاع مباشر يلامس خلاياهن الصغيرة، وكأنهن ينتظرن ذلك الشعاع الذي يشبه إكسير الحياة، كأنه منبه مؤَقت أو يد تهزهن من سبات عميق ....

بدت الحياة بسيطة أيضا وهي تراقبهن، لم نكن نحتاج إلا لشعاع أو سهم يوقظ طبيعة الحياة فينا ،تلك الطبيعة الغريزية للبقاء والكفاح من أجل الاستمرار، لم يكن البقاء للأقوى مع النظر لتلك لفراشات ، كان البقاء للقناعة برشفة ،لصبرِانتظارٍ هادئ حتى تحين اللحظة للتحليق....

ليلة طويلة لم تكن كافية للتعافي من المشاعر المؤلمة ولكنها كانت كافية لرسم لوحة .

همست:

 -أمي لا بأس بعينين نصف مغمضتين ، أنهما وسيلة للبقاء أيضا ....

لا بأس بمحو ذكريات مؤلمة وترك فجوات في الماضي للاستمرار بحياتنا كأنها حلم، ولا بأس بلمسة من نور الشمس توقظ شغاف قلوبنا لنستمر ....

****

نادية محمود العلي