الأربعاء، 1 سبتمبر 2021

 


كمد وكبد

نعم نعم ابكي ، أكثر وأكثر ابكي عزيزتي ، بت يطربني منك النشيج، كم يليق بعينيك البكاء، تشع منهما لمعة محببة وبريق يعوضهما عن الحسن المفقود

أنت عزيزتي المسؤول الوحيد عن تلك المأساة، إياك وانتحال دور الضحية، أنت المجرم في الحكاية ومنذ البداية أيضا ، أنت من ألبسها ثوب قصة الحب الضيق، فكم كان جليا حينها أنه لم ولن يناسبها البتة، هي لم تكن قصة حب ، بل والأدهى من ذلك أنها لم تكن قصة من الأساس، أنت وحدك من أراد لها أن تكون، و إصرارك المستميت ذاك هو بالتحديد جريمتك التي تنكرين

كان من الممكن أن نتحاشى هذا العناء المرير إن أدركت بعضا من مفاهيم المقايضة و تبادل المنفعة، بعض قيم على غرار التغافل واللامبالاة كان من شأنها أن تكفينا تكبد تلك النكبة، أتعلمين ..!؟ حتى الأنا ....القليل منها فقط كان كفيلا أن يعصمنا من هذا الإعصار

محض هراء......

لا أدر من ظننت نفسك،،!؟

كيف سول لك عقلك الضئيل حتمية إتيان الرياح بما تشتهيه السفن..!؟،،، يالك من بلهاء 

 بدمع المقل يوما بعد يوم رويت تلك البذرة العقيم في جوفك، كم أنذرتك حينها أيتها الحمقاء، ولم أجد منك إنصات منصف، كان عليك أن تدركي أنها بذرة متصحرة لا تجود بثمر، ولا يرجى منها حتى الزهر، اللآن وقد باتت شجرة ضخمة، ضاربة جذورها في العمق  ، على أغصانها أعشاش  يأوي إليها الطير البهي من كل حدب وصوب، ليس لك عزيزتي سوى التعايش، ولا يحق لك التأوه أو التذمر ..

أدرك فداحة الأمر،  أدرك أيضا استحالة اقتلاعها، كما أعي جيدا وجع التحام جذورها  بالأوصال منك، لكن لعلك أيضا تدركين أن البحر من أمامك والعدو من خلفك ولا مفر لك من الوجع سواء في البقاء أو الرحيل..

أم الآن و قد كان ما كان، أراك تحيين حياة المغشي عليه من الموت ،،،فماذا علينا أن نفعل ..!؟

ها،،،،!؟

هيا أخبريني الآن ... ماذا بعد..!؟


أعلم أن ثمة نصل سكين غير مرئي يشق صدرك ، أخذ موضعه الآن بمنتهى الثبات والتؤدة، أنا فقط من تراه عزيزتي، وهذا القرمزي يسيل منك ببطئ ،وأنا أو أنت ليس لنا من الأمر حيلة ، علينا أن نكمل المسير بغض النظر عن كل شيء ،حتى يحدث الله أمرا كان مفعولا

عزيزتي أنا الناصح الأمين الوحيد الذي تملكين...

لا بأس ربما هي فرصة اللحاق بما قد فات، من الحكمة أن تعي أن النجاة من الطوفان فرض عين، والرضا بالمقسوم عبادة، ضعي عزيزتي الأمور في نصابها الذي تستحق، وكفي عن التخبط والعته  فلن يصل بك إلى مقصد، لجمي هذا النابض البائس فما من أحد يبادله الهوى، هيا عزيزتي انتصبي شامخة بعزة المجاهد، حلقي بذراعيك لأعلى مدى، احشدي بصدرك ذرات أكسجين الكون يا طيبة السريرة ،اهجري البؤس وكفكفي الدمع واجعلي نصب عينيك واحة مستقرها عند آخر النفق، واحة شمسها تدعى سكينة، أرضها ود وسمائها الرحمة، يفوح منها الطيب مسيرة عمر، لعمرك هي النعيم والراحة وما دونها كمد و كبد.


الاثنين، 23 أغسطس 2021




الشغف

بمرور الزمن ننشغل بملاحقة بعض مكاسب.... وبينما تتشبث أصابعنا بهم ينفلت على حين غفلة الكثير من الممتلكات ......
ببيتنا القديم كان يرقد دولابنا ذي الثلاث درف، يرقد بوقار عجوز يحمل بداخله ما لا يقل عن صندوق العجائب غرابة وإبهار ،وأنا الصغيرة التي يقتلها فضول العبث بالأشياء الممنوعة، نعم أعلم جيدا أن هذا العجوز يخبئ الشغف في رفه العلوي وأتحين الوقت الذي تكون أمي به في الخارج، أركض إلى حيث ضالتي وأنا لا أدري هل أنا أسرع أم دقات قلبي، ولسان حالي يردد « يا هذا ....بداخلك شيء يعنيني»، أفتح الدرفة الثالثة وأستعمل الكرسي وأتناول حقيبة أمي المرصعة بالأحجار اللامعة ، وبمجرد أن تلمس أناملي الحقيبة يهدأ قلبي الصغير ،يحل به السرور والسكينة ويتبدد القلق ،تعلو البسمة فوق ملامحي ،تلمع عيني مع انعكاسات لمعة الحقيبة عندما أخرج منها علبة في جراب مخمل أسود مطرز عليه كتابة باللون الذهبي ، تلك الكتابة في حد ذاتها لا تعنيني البتة لكنها من شأنها أن تزيد من لهفتي ، بمنتهى السعادة أفتح العلبة ليفوح منها رائحة والله كأنها الجنة ، العلبة عبارة عن شقين إحداهما مرآة والآخر يضم كل ألوان المجرة التي خلقها الله ، وعلى اليسار تقبع فرشاة صغيرة أستعملها كعصاة سحرية أطبق بها ألوان المجرة على وجهي الصغير ، بسخاء أزرع حدائق بنفسج فوق إحدى عيني وزنابق فوق العين الأخرى ويطرح التوليب في غير موسمه فوق وجنتي ويسيل الكرز من شفتاي ، أتأملني وجمالي برضى وامتنان بالغين ثم لا ألبث أن أجرف تلك الغابات عن وجهي لأرسم لوحات ولوحات لا تقل إحداهن صخب عن الأخرى، وبينما أنا مستغرقة في شغفي حتى أذناي حرفيا،،،،، أفيق وقد سرقني الوقت وأتذكر أنه عليّ أن أزيل آثار العدوان قبل عودة أمي وإخفاء جميع الأدلة التي يمكن أن تدينني بالجرم ، فتهرب الطمأنينة من جديد وأعود أنا وقلبي للركض معا نغسل ونرفع ونغلق ونعيد كل شيء إلى سيرته الأولى، بعودة أمي أظن أن كل شيء على ما يرام ،لكنها بمجرد النظر تدرك ما حدث وبالتالي أنال عقابا شديدا يظل بالذاكرة حتى تغادر أمي المنزل مرة لاحقة ، عندها أكون قد تعلمت الدرس جيدا أو هكذا على ما أظن ....لقد أصبحت الآن أكثر حرصا واحترافية في اخفاء معالم الجريمة وطمس براهين الإدانة فلا تشي بي عيني الملطخة أوالحقيبة الغير مغلقة.

أمي..... لقد كبرت يا أمي !

- اليوم من حيث الخامسة والأربعين أحدثكم ...

- وقفت أمام المرآة وانتبهت أنه قد مر زمنا طويلا لم أمس فيه أدوات التجميل ، ما عادت ألوان المجرة تغريني... أطلت النظر وأنا أفكر متى بالتحديد ولماذا فقدت الشغف، كيف فقدت الأشياء متعتها التي كنا نعهدها..!؟

لا بأس ...فالشغف ليس الفقد الوحيد الذي يحدث أن نختبره مع التقدم بالعمر ، كما أنه ولله الحمد_ كسائر الاشياء_ سيان.... به أو بدونه تستمر الحياة... أو هكذا على ما يبدو ...!


الجمعة، 23 أبريل 2021

 



ابدا ما دامت السماوات والارض، سيظل الراسخون اعينهم ترقب الساعات ،تتحين لحظة هدنة ،والسنتهم تلهج :ان ماذا بعد..!؟
هل زارك الموت؟
هل طرق يوما بابك؟
هل تقاطعت طرقاتكم ذات لحظة؟
ربما عندها تدفعه بعيدا وتكمل مشوارك دون توقف ولن تعيره أدنى انتباه او ربما تدس يدك في جيب معطفه العتيق الذي لا يبله الزمان.. تفتش داخله عن مآرب.. عندها دعني القي عليك من قلبي السلام، واهديك خالص الدعاء، عل السكينة تجاور روحك يوما ما يا مسكين... فلست بصدد الحديث عنك اليوم.
أتحدث عن اولئك الذين يصطدم الموت بتروس ساعتهم فيصيب عقاربها بالتوقف ليحل السكون ويعلو صوت الصمت فتتجمد الاشياء من حولهم
فترى الكون فيك ومن حولك ،كمدينة مسحورة لمستها عصاة سحرية ،سرقت منها النبض وتركتها على حالها
تلك اللحظات هي بمثابة هدنة او استراحة محارب للبعض
هي ولادة لحالة صوفية ..تستقر في الوجدان_ ولو لم تكن عقيدة_ فهي شعور نقي بريء من اي غريزة ،شعور ممتلئ بالنور والطهر و القناعة والرضا والزهد وكل ما هو ابيض يضوع منه المسك
هي فلك كفت اجرامه عن الحركة ان جاز التصور ،في تلك اللحظة بالتحديد يحدث ان تلتقي المواسم، كأن تغتسل زهور حزيران بامطار كانون .. لم لا وقد سكنت الحركة فلا صدام ولا دفع ولا جذب
هي شق في جدار الزمن التليد، يلتقي عندها كلا من الماضي والحاضر متجردين من كل شيء، عندها يا رعاكم الله حقيقة لست ادري ..يا لهول المشهد ... ترى هل نسترسل في ازالة شوقنا للماضي ،نشم روائحه المنسية، نلتقي مبسم بمبسم، ننعش الذاكرة بملامح ضافت عليها السنين خطوط، نلمس تجاويف لم يكن عهدنا بها هنا ...ام نتعجل في قبلات الوداع و نكتب بنود وصية لحقب قادمة و نلوح بكفوف الرحيل مستودعينهم امانة الله ...فالحقيقة لست على يقين إن كان سيسعفنا الوقت ام كعادته عجول، لن يلبث الا وقد رأب الجدار ...واخذت الاجرام مواقعها بقمة الاستعداد لتمارس دورانها المعتاد في الفلك ... و دارت عقارب الساعة من جديد لتعلن للكون اجمع ....ان يا عباد الله .....اسمعوا و عوا والحاضر يعلم الغائب (ما قد جرى ما هو الا ناموس الكون ،هو حكمة الله في خلقه، و الموت ما هو الا سنة الحياة).
لا ينبغي ان تطول الهدنة عن كونها هدنة والا باتت علة عضال وشلل يستوجب العلاج
كما ان قصر الهدنة لن يسمح بتأمل المشهد كما ينبغي بالقدر الذي يسمح بالخروج منه بمكاسب حقيقية ولن يظهر مدى فداحة الاستغراق فالزيف على حساب الرشد.
من الحكمة ان نبتغي بين ذلك سبيلا ومن اوتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا

الخميس، 11 فبراير 2021

من بؤرة الإعصار

خواطر- قصص -شغف-حياة موت - 

من بؤرة الإعصار



ها هو ضوء النهار يحاول كنس عتمة الليلة المتقهقرة للتوّ، وقطيراتُ الندى تنفث ضبابا متصاعدا وهي تتبخّر من حضن الثرى تتلوّى مع انكسارات الضيّ الوليد ...

في تلك اللحظات توقفت السيارة عند تقاطع الطرق على نذير الضوء الأحمر ، وراحت عيناها تراقبان أضواء السيارات الباهتة مع انفلاقة الفجر الخديج ، فبدت أضواء السيارات كالعيون بمختلف الأشكال : هذه تبدو غاضبة وتلك مبتسمة ،وهذي مسالمة وتلك تبدو شريرة كساحرات الرسوم المتحركة ...

وبدت السيارات بأضوائها و بازدحامها كأمواج نهر تجرف في طريقها لآلئ مضيئة وترشق صدر السماء بانبعاثات الكربون ...

تبدو اللحظات بطيئة إلى حين سطوع الأخضر ثم تنطلق السيارة تطوي الإسفلت وراءها ،تميل عند ذاك المنحنى ،وتتخطّى عامل النظافة عند تلك الزاوية ،وتتنشّق ذات الرائحة عند ذاك المنعطف ، ثم تأخذ الطريق في عكس اتجاه الشروق ، وهنا تبدأ ملامح الأبراج البعيدة تظهر من بين سحاب مهيب ، يبدو كأنّه دخان عند الأفق ، وفي كلّ مرّة تعتقد أنها عاصفة هوجاء تتجه نحو المدينة ، إلا أن الأيام والروتين علّماها أنّه مجرد دخان رمادي أو سحاب يغشى الأفق عند شروق كل يوم ،فتبدو أبراج المدينة فيها شاهقة تقطع هاماتها الهيفاء تلك الهالة المهيبة...

 كان هذا المشهد يتكرّر في بزوغ كلّ يوم جديد عند ذهابها إلى العمل ، وكانت ترشف قهوتها ببطء على مزيج أصواتٍ شتى ،هدير ومزامير وأنين رياح تحاول الولوج من نوافذ السّيارة حاملة معها رائحة انبعاثات الكربون والدّخان والغبار فتثقل الرئتين بهواء ملوث، ولربما يعطيها كافيين القهوة الطاقة للنهوض و الاستمرار إلا أن القهوة فقدت نكهتها مع ازدحام المدينة وأصواتها المُنفّرة وتلك الرائحة المقيتة ...

لا تريد أن تفقد شغفها بقهوتها ولا بروتين حياتها ولا بأهداف سعت لتحقيقها وبالتأكيد لا تريد فقدان الشغف بالرغبة بالحياة ، ذلك الشغف لطالما أعطاها القوة والقدرة على الاستمرار ....

"لا بدّ من حلّ " همست لعزيمتها ...

كان الحلّ - رغم ضيق الوقت -  تخصيص وقت قبيل الغروب وعند الانتهاء من كلّ مهام العمل والمنزل للذهاب للتريّض في الحديقة القريبة ، وإطعام القطط فيها، والتعرض لأشعة الشمس ورؤية ألوان أمنا الطبيعة التي حاكتها بمغزلها لوحة فنية تبهر العيون ، إذ إنّ هذه الأفعال تحسَن المزاج وتُشعر بالراحة وترفع من مستوى هرمونات السعادة ...

لفت نظرهم شاب نحيل بشعر مُجعّد وطويل يأتي كل يوم ويطعم ثلاثة قطط صغيرة يبدو أنها فقدت أمها ،كان يجلب الحليب والطعام لها و يمسح وجهها وجسمها بمناديل وماء ، ويداعبها ويبقى بجوارها زمنا ثم يرفع البقايا والنفايات ويترك لها الماء النظيف في علبة و يرحل ...

في كلّ يوم في نفس الموعد يأتي وتأتي معه قطط جديدة ، يبدو أنه وجد شغفه ...

 أطلقتْ على الشاب اسم  "جامع القطط " وأعطتْ اسما لكل قط ّفي الحديقة : الرّمادي ، الأشقر ، الرضيعة المرقطة، الجد، الفضية ، الغليظ ،المتنمر ....

كان ذلك حقا كفيلاً بإدخال السعادة والشغف من جديد في روتين حياتهم ...

مع مرور الأيام توقف الشاب جامع القطط  عن المجيء ، ثم اختفى الأشقر الجديد ، تلاه الرضيعة المرقطة ، و استمرت سلسلة الاختفاءات، فشعروا بالحيرة وتمنوا أن يكون جامع القطط قد أخذهم معه وأنهم بخير لم تدهسهم سيارة أو يؤذيهم أحد ...

خلتِ الحديقة من القطط الصغيرة وبقيت الكبيرة القادرة على عراك الحياة ، إلا أن إناثها كانت تستعد لولادة حيوات جديدة لا أدري إن كانت قادرة على البقاء أيضا ....

لا شيء في الحياة يبقى ساكنا على حاله ،ذرات الكون خُلقت في حالة حركة ،وكل شيء يهتزّ ويتغيّر ويتبدّل وتستمرّ الحياة بكلّ ما فيها ،جِدْ شغفك حتّى في أبسط الأشياء لتعيش بحبّ ، فالموت دائما لا يُمهل ،هو سريع كالعاصفة ساكن كبؤرة الإعصار ...

 

*****


بقلم : نادية محمود العلي  

 

الخميس، 23 مايو 2019

جنون مايو



( جنون مايو )




خيوط الشمس تخترق نسيج الستارة المُسدلة وتوقظ العيون الناعسة رغما عنها ، فالسماء صافية زرقاء والشمس ساطعة باهرة والحرارة تكاد تدقُّ أبواب الأربعين درجة ...

وما هي إلا دقائق حتى تنفخ الرياح الستارة وتضرب مصراعي النافذة بشدة وتصفر صفيرا مهيبا في التجاويف الضيقة ،فتغصّ السماء بهالة غبار برتقالية ضخمة تهتك خيوط الشمس وتذوي بضوئها ، ثم تتلبّد السماء بالغيوم الرمادية فترعد وتبرق حتى تظن أن وابلا عارما سيهطل من السماء  لساعات ،لكن هي زخات قليلة تترك آثارا مدوّرة على زجاج النوافذ والسيارات  ثم تختفي ، وتعود السماء صافية زرقاء قد تتخللها غيوم متقطعة بيضاء كالثلج تتناثر هنا وهناك ، ثم في ذات الليلة تنفخ الرياح الشديدة مجددا عواصف الرمل في رئة السماء والبشر ، وبعد قليل تترنم قطرات المطر في خجل ترنيمة قصيرة وتذوي ...

إنه شهر مايو، من المفترض أنه شهر الربيع، ولكن ليس هنا، فها هنا لن ترى أشجارا تقلّدت  الزهورُ أجيادها ، ولا أرضا مبسوطة لبست حلة السندس الأخضر، ولا ورودا أثقلت غصيناتها براعم جديدة ، لن ترى عرس الربيع الذي يتغنى به الشعراء ويتبارز الرسامون في مُماهاة لوحاته النابضة بالحياة ، هنا سترى شهرا توشّح الجنون ، وامتهن ألعاب الخفة فيعطيك بيد زهرة وبالأخرى يقلبها شوكة ...

هذا النمط من تقلُّبات الجوّ صار رتما كئيبا لم نكن ندري أهو نقمة تنفثها الصحراء فوق رؤوسنا أم ابتلاء من الله جلّ وعلا ...

تركتُ نافذة غرفة الجلوس مغلقة لأكثر من أسبوع مخافة الغبار الذي يأتي ويذهب دون إيعازات ، وعندما فتحت النافذة فوجئتُ بيمامة قد حاكت بغصينات يابسة عشا صغيرا ووضعت فيه بيضة واحدة ..
 طارت مبتعدة بوجل وانتظرتْ حتى أغلق النافذة وتشعر بالأمان فتعود لترقد على بيضتها ...

كنت مستاءة لأني أريد تنظيف النافذة ولا أريد أن أهدم عش اليمامة وأقتل مخلوقا ينتظر أن يُقبّل وجنة الحياة ...

لماذا بنيتِ عشك هاهنا يا صديقتي اليمامة ؟ هل كنت خائفة من جنون مايو وقلقلة من ممارسة ألعابه عليك فلجأت لزواية ذلك الشباك الصغير ؟

حسنا لا تقلقي سأنتظر حتى يكبر فرخك فلربما تعتادين تقلبات الربيع  والحياة !

لا أريد أن أكون أحد مخاوفك، فلكل منا طريقته في مواجهة مخاوفه ،قد نتحداها ببسالة ،وقد نقضي حياتنا نهرب منها وتلاحقنا ، وقد نتماهى فيها حتى تعتادنا أو نعتادها فلا نعود نراها ...


ها هي الصحراء من جديد تُحمّل الرياحَ رمالها ، فتنثرها تلك في هواءنا ضبابًا برتقاليًا يجثم سويعات فوق صدورنا ، ويبقى لكل منا طريقته في الهروب من جنون مايو ...


*****

بقلم نادية محمود العلي 

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

تحليق



تحليق



سرّحت نظرها  في فيحاء الفضاء التليد الذي بدا حرّا لا محدود ،وشغفٌ فاض عارما لسبر ذلك العالم المجهول ،لخوض غماره، لحبسه داخل كرة زجاجية تمسكها بحذر بين راحتيها وتهزّها لتتأرجّح ندف الثلج حلزونيّا في أثيرها...

معجونة بإكسير الفراغ الداخلي وبذلك الشغف العتيق حاولت أن تحلق عاليا  في الأفق الذي تطاله ،وعندما رأت أنها قادرة تجرّأت على ما لا تطاله ،وعلت فوق اللامحدود ،فهوت سريعةً تجذبها الأرض وتضربها سهام الريح يمينا وشمالا حتى سقطتْ تتدحرج ...تتكسّر ...تتألّم ...تتعلّم ... 

صدمها محدوديّة ما يمكن تجاوزه من هذا الفضاء الشاسع!
الغلاف الجوي ! القمر ! المريخ ! حتى إنهم يتجادلون بكروية أو تسطّح كوكبنا الأرض !...
هذا الغموض والقدرة الهائلة التي لا نراها تجعلها تتساءل أين نحن ؟! ما نحن ؟! ما حدود قدرتنا واستيعابنا ؟! هل عليها حبس الكون في الكرة الكريستالية تلك حتى تشعر بالحرية ؟!

أرهقها التفكير ... أرهقها الأنا والنّهم والسقوط والتعثُّر والتكسُّر ...

توَسَّدتْ ذراعيها وأسدلت جفنيها ،وومضات ذكريات من لُجَّة الماضي السحيق  ترفرف فوق رمشيها كخفق جناحيِّ  عصفور وليد الزّغب ، فتومض ذكرى مخاوف الطفولة، يوم كان أعتاها أن تستيقظ  ليلا في ذات يوم عاصف ولا تستطيع أن تشيح عيناها  خوفا من أن تجد لصّا مختبئا بين أفنان الزيتونة الضخمة ،التي انسدلت فوق سور الدار واسترخت على الجدار ثقيلةً حتى كادت فننها أن تُقبّل ذرات التراب ،ووريقاتها تلمع لمعانا برّاقا بانكسار ضوء لمبة الشارع في حبات المطر التي غسلتها حدَّ النقاء كخصلات شعر حورية بحر تداعبها أصابع قَمْرَاء ،وعندما يدوي الرعد مجلجلا  تتوجّس تلك الطفلة أكثر وتبحث عن إجابات في مخيلتها البكر و هي تسرع الخُطى نحو أحضان مهدها الدافئ - منقذها العتيد من غول مخاوفها - ثم تواسي نفسها بأنّ دويَّ الرّعد ما هو إلا صوت براميل معدنية كبيرة تتدحرج فوق إسفلت السماء، وتحاول أن تخفي رهبتها من أزير العاصفة الماطرة ،وكذا خوف أخيها الصغير فتضمّه في محاولة لتهدئته وهي تهمس له بصوت مهزوز : لا تخف ! إنه صوت براميل تتدحرج في السماء !...

 غفت متوسِّدة كفيها متكوِّرة في وضعيّة الجنين كعادتها ،كطفلة أنهكها العبث ،ثم حلمت بأنها نجمة تشعُّ في الفضاء وأن جوفها نورا لا نارا ،وكانت تسبح بحرية في الفراغ الهائل ،و فجأة بدأت أجرام كثيرة بالظهور في دربها ،وأرادت تجنّبها عبثا، فحركتها مقيدة بجاذبية النجوم والكواكب الأخرى، وتبّين لها أنها ليست حرّة حتى إنها لم تكن تسبح ،ولا تحلّق، كانت تدور فقط وتدور محبوسة  في خوارزميات نيوتن وآينشتاين ، ،وسلاسل هائلة طويلة غير مرئية تلفّ جسمها كالشرنقة ، لتصحو فجأة من كابوسها وتتساءل : متى تصير فراشة ؟!
هل عوقبت تلك الشرنقة الشرهة للمعرفة، فكُبْكِبَتْ داخل خيوط جهلها ؟! هل كان عليها أن تنظر لمكان وطأة قدمها على الدّرب فحسب وترضى بما تعرف؟! فالجهل نعمة أحيانا كما يقولون ...

*****

بقلم : 
نادية محمود العلي 


الأربعاء، 17 أكتوبر 2018

crochet doll with a dress and a hat




amigurumi Stuffed toys


crochet dolls


amigurumi crochet doll in white beaded dress


crochet doll


crochet amigurumi doll in gold dress


الأربعاء، 10 أكتوبر 2018

قبرة لا تطير


قصة - قبرة-لا -تطير-  


قُبَّرَةٌ لا تطير





( 1) "لُولْوَة"


هل مررتَ بتلك الدقائق التي تتوقف فيها فجأة مذهولا حابسا أنفاسك ،تمرُّ كشريط السينما حياتك التي مضت أمامك ، وتتساءل إن كنت هذا أنت حقا من عشتها مكتوبة  أو مُختارة ،لا فرق فأنت تشعر أنك تشبه شخصا آخر، وفي هذه اللحظة من أنت ؟ ما أنت ؟ أهو حلم؟

وعلى غير المتداول ، بطلة روايتنا "لُولْوة" ذات الثمان والأربعين عاما ليست جميلة ، هي كأي فتاة من مجتمعها عادية المظهر سمراء البشرة  ، تفوح منها رائحة عطرٍ تشبه البخور و العود  تعطيها ذاك الطابع من النساء المُحافِظات ، رزقها الله بثلاثة أبناء ،أصغرهم ثالث ثانوي وأكبرهم حصل على وظيفة  وأوسطهم يدرس في الجامعة ، وهي مُدرِّسة لمادة "التاريخ"  في مدارس البنات إلا أنها من ذلك النوع من ذوي الشهادات الذين يبدون جاهلين وكأنّ الشهادة ما أضافت إلّا ورقةً لسيرتها الذاتية دون المساس بالتفكير والمنهجية ...

وفي الحقيقة شهادتها كانت سلاحا ماديا هاما في مسيرة حياتها توقفت عليه قراراتها و اختياراتها وانعطافات دروبها  ...

رأيتُها صدفة في مصعد العمارة التي أسكنها منذ سنوات دون أن أتعرف على أحد من الجيران ، كغيري من الناس الذين جرفتهم أنهر الحياة المدنية الحديثة وعصر الإنترنت والخوف من التعرف على أحد ، فصرنا كقواقع فارغة هامدة تجرفها سيول الحياة كالحصى دون انتظار ...

صَعِدتْ معي وأطفالي وبدت سعيدة لرؤيتي وتبادلنا السلام والأرقام ، ودعوتها لمشاركتي فنجان قهوة سريع ، فلبَّت الدعوة ممتنة ، وعلى خلاف عامة البشر، مباشرة بدأت بسرد أجزاء من قصتها ، ومشكلتها مع زوجها ، وكأنها ما صدَّقت أن تراني لتزيح همها عن صدرها بالكلام  ...

وبقدر ما كانت تشكو وتُعدِّدُ مساوئ زوجها بقدر ما كانت تحاول أن تلوم نفسها و تجد الصفات الحسنة فيه أو تبرّر بعض أقواله الجارحة وتصرفاته الأنانية غير المسؤولة ... فاستشفيتُ الطيبة من ركام الألم ، والبساطة في شخصيتها رغم تعقيدات المشكلة ...
بابتسامة هادئة ونظرات لا توشي إلا بالبساطة ، وفي أكثر من جلسة  حكت لي حكايتها مع رشفات القهوة السوداء التي أضحت بكل أنواعها وبرائحتها جزءاً لا يتجزأ من روتين حياتنا  تضخ الكافيين في دمنا لنستمر ....


 *****


 (2) الصدمة


توقفتْ فجأة مذهولة حابسة الأنفاس يمرُّ شريط حياتها أمامها - ثمان وأربعون عاما طويلة – حزينة لفقدان والدتها التي كانت الحضن الرؤوم ، واليد الجامعة اللَّامَّة لأخوتها وأخواتها كل أسبوع ، والذين انفضوا كلّ في طريق بعد وفاتها ...
تشعر بالوحدة والضياع ، أبناؤها كلٌّ في عالمه ،رغم أنهم بارون بها ومتعاطفون معها ،إلا أنهم لم يعوضوا ذلك النقص والاحتياج لصدر حنون تستند عليه ويستوعبها ...
 زوجها المتزوج من ثانية - وهو أمر طبيعي في مجتمعها - لا يجيب على اتصالاتها ولا رسائلها وإن أجاب يقول : الآن تحتاجيني بعد وفاة والدتك ، أين كنتِ من قبل ؟
(وبالحقيقة أين كان هو ؟؟)

لولوة : إنكَ زوجي لي حقوقي وأولادك لهم حقوق عليك ، نحن لم نرك منذ أكثر من أربعة أشهر ...
هو : حسنا  آتي عندما يسمح وقتي أنا ، مشغول جدا الآن برسالة الماجستير ، وبيتي بعيد ولا أستطيع القدوم ...
تلحُّ هي ويتحجَّجُ هو ، وهذا هو الحال لشهرين آخرين ...

بعد التردد أرادت ، "لولوة" أن تضع النقاط على الحروف وأن تنهي حيرتها وانتظارها القاتل ،فقررت الاتصال على الهاتف الثابت لتردّ زوجته الثانية التي لا تعرف شكلها أبدا ، تسألها عنه وتشرح لها ظروفها ، إلا أنها تفاجئها بقولها أنه تزوج ثالثة منذ سنتين ولا تراه أيضا ، وتعاني الثانية مثلما تعاني هي ...

مصدومةً بدأت تسترجع كل أحاديثها معه وبدأت تتضح تصرفاته المبهمة معها ،فمنذ سنتين استدان منها مبلغا كبيرا لم يسدده حتى الآن ...

بكل وقاحة يستدين منها ليتزوج بثالثة!

بل وأخذ منها صدقة كبيرة لامرأة أرملة كما قال ، ثم اشترى لها جوالا حديثا ، وتساءلت لولوة ما حاجة امرأة فقيرة لجوال حديث ! أليس الأولى أن تصرفها على أبنائها ؟
والآن فهمتْ أن الجوال لزوجته الجديدة وليس لتلك الأرملة المزعومة ...
ليس غريبا عليه ... طوال حياتها معه وهو يأخذ من راتبها خلسة وعلنا ،وعندما تنبَّهتْ نصحتها مديرة المدرسة بفتح حساب في البنك وتحويل الراتب لحسابها ،ولما عرف بذلك استشاط غضبا ، وبدأ يتصرف كالمجنون ، ولم يعد يصرف عليها ولا على أولادها أبدا ...

وتصادف أن وقعت بقوة وهي تحاول ترتيب خزانتها ، فأصابها نزيف استمر طويلا ، فبدأ يتذمر ويشكو ليتزوج بالثانية ...

في ذاك الوقت لم يكن يهمها الأمر كثيرا ، فصدر أمها الحنون جاهز ليضمّها ، و قصر أهلها الكبير واسع بما فيه الكفاية لاحتوائها وأطفالها، وكرم أبيها المتوفى ما انفك مستمراً بفضل الله ، وذكريات سيئة لتصرفات زوجها تنفرها منه ، كمنظره وهو يفتش حقيبة يدها ويأخذ راتبها دون إذن كاللصّ و يرحل ،كمنظره وهو يضرب زجاجة حليب ابنها الرضيع في الحائط لتتفتت وتتناثر هنا وهناك لأنها أجابت على الهاتف وتركت الزجاجة بجانب سرير النوم - فهذا تصرف غير لائق بنظره- وكمنظره وهو يفتخر بجمال شكله وفحولته ويطلب منها بكلّ وقاحة أن تُري صورته للمعلمات في المدرسة إن كانت تقبل إحداهن الزواج منه ....

في البداية كان يحاول أن يكون عادلا بعض الشيء فيأتيها في قصر أهلها ، ثم بدأ يتذمر من ذلك فاشترتْ بيتا بأقساط على راتبها وانفصلت عن أمها لأجله ، إلا أنّ ما حدث العكس ...

بدأت فترات غيابه تطول أكثر فأكثر ،وعندما تزوّج بالثالثة دون علم منها  لم تعد تراه بالأشهر ...

وفي كل زيارة لها يأتي مسرعا خاوي اليدين حتى من طبق حلوى  ، وتكون قد جهزَّت له الغداء فلا يتذوق منه إلا القليل ويقول إنه تناول غداء شهيا من يدي زوجته الأخرى ،ويجلس كأنه جالس على شوك ، حتى أنها تفقدت مرّة مقعده بعد ذهابه لترى إن كان هناك شيء تحت وسادة المقعد فعلا...

تلك التصرفات كادت تفطر قلبها ، ثم تلوم نفسها أنها غير جيدة وغير جميلة ولا تستطيع جذبه كزوجته الثانية ، وتسأل كالمجنونة صاحباتها ماذا عليها أن تفعل كأنثى لجذبه، فيأتيها سيل جارف من النصائح والتعليمات لا تعرف ماذا تنفذُّ منها ، وتشعر أنها ليست هي ، إنها أنثى مُصطنعة ومُنافِسَة ضئيلة لزوجته الأخرى ...

  اهتزت ثقتها بنفسها ، وزاد الطين بلّة موت والدتها ، وانفضاض أخواتها من حولها ، وبدا قصر أبيها خاويا على عروشه مسكونا بأطياف رحلت وصدى تجمعات وضحكات ودمدمات ...

 بكت لولوة وتألمت ، وكانت تبدو مكسورة وتائهة تشبه " القُبّرة" المصابة الجريحة تذوي خائفة حتى من الظلال العابرة ...عندما رأتني كنتُ كطوق نجاة لها من وحدتها ومن صمت ألمها المنتظر التنفيس عنه ولو بالحديث لأحد ..


 ***** 


(3) استعادة الثقة


عندما عرفتْ بزواجه الثالث -وبقدر صدمتها- استعادت الكثير من الثقة بنفسها ،فلِمَ يتزوج الثالثة وكانت الثانية مرضية له؟ غير موظفة كلّ وقتها له وللبيت وتطبخ له أشهى الطعام وتلبي حاجاته كلها ...
إذا العيب ليس فيها ،ليس لأنها موظفة ،ولا لأنها غير جميلة ،وليس لأنها مرضت ،بل فيه هو وغرائزه وخيلائه وإعجابه بنفسه ،وامتطائه الدّين مطيّة لتبرير تصرفاته ،فقد كان إمام مسجد ويستعد لنيل شهادة الماجستير، لكنها إن حاججته بالمنطق أو ذكرته بعدل الرسول صلى الله عليه وسلم  بين زوجاته ،يقول : ذاك رسول وأنا بشر ،لا أستطيع أن أكون رسولا ...

لكنه ربما سيتزوج الرابعة أيضا ويُشعِر الأخريات دائما بالنقص ..

كيف يصفون الرجال بالعقلانية وأغلب تصرفاتهم تحكمها الغريزة ؟! يتصرفون بجنون عند الرغبة وعند الجوع والعطش ،عند الحصول على السلطة والمنصب والمال ،وتراهم هائمين في أودية و دهاليز السياسة يبيعون ويشترون الأوطان و الشعوب ،وبارعين في فن الحروب والدمار ..
أين عقل الرجل ؟

تقول لولوة لي : الرجل ليس له قلب يا عزيزتي ، إنه خالي المشاعر ، لا يفكر مثل المرأة بقلبه ولا تعني له الرومانسية والحب والاحتياج للحنان شيئا ..
أصمت... فما أنا إلا قطرة في سيل آلام "لولوة "...
تتابع :
لا بدّ أن أنهي الأمر وأضع له حدا ، إما أن يعاملني كزوجة ويعدل بيني وبينهن أو يطلقني ويتركني في سبيلي ،لست حجرا أو أثاثا فائضا له ، وهكذا يصبح له فرصتان لرابعة وخامسة  ..

تبتسم بسخرية ثم تتنهد متعبة مطرقة الرأس وهي تقول :

-        لست أدري ربما قصَّرتُ في حقه ، ولربما لم أعامله بكيد وخبث النساء لَكنتُ استعدته ،وجعلت حياة الأخرى جحيما ، لكنني لست كذلك ، من منا كامل ! ومن منا ليس فيه عيوب! فلستُ جميلة ولا ذكية ولا قوية ،ولكني أحببته بصدق وأردت أن أبني أسرتنا معا حتى بعد زواجه بالثانية ... إنه أجمل مني شكلا ،وأذكى مني ،وعنده خيلاء وغرور بنفسه ، لا أستحقه حقا ..

هنا قلتُ لها :
-        تلك الصفات لا يمكن الاعتزاز بها ، إنه ضعيف يواري تبعيته لغرائزه بالغرور والقسوة ،وكان سيتزوج ثانية كما تزوج ثالثة ، وربما الرابعة ، إن كنتِ أنتِ في حياته أم لا ،لا تشعري بالنقص يا لولوة ولا تخافي، يجب أن تكلميه وجها لوجه إما المضي معا قدما أو الانفصال بإحسان ...

قالت وهي تبتسم :
-        نعم معك حق ، وهل تعرفين أن صاحبتي في المدرسة قالت لي انفصلي عنه يا لولوة ، وهناك عريسان بانتظارك ،هل تصدقين ذلك !حتى إنّ أخت أحدهما اتصلت بي وسألتني إن كنت أقبل بأخيها زوجا بعد طلاقي ومرور العدة ! ... لكني لا أعرف حقا ، قلت لها دعيني أحلّ أمري أولا ثم أرد عليك ...
-        ماذا عن أولادك ، أيوافقون على انفصالك ثم زواجك من آخر ؟
-        نعم .. قالوا "تصرفي كما يرضيك يا أمي"  ليس عندهم مانع ..

بدت لي فكرة الارتباط مجددا بهذه السرعة وبهذا العمر أمرا محيرا ،إلا أنّ بعض الجراح لا يمكن علاجها إلا بالكيّ ، قد تكون فكرة الزواج بآخر حلا مناسبا لكي لا يلتهب الجرح ...
وقد يكون أمرا عاديا في مجتمع "لولوة" أن  تتزوج المرأة بعد طلاقها ..

انتهت جلستنا مع آخر رشفة من قهوتنا ،بدعوات أن ييسر الله لها أمرها ويكتب لها الخير فيما هي مقبلة عليه ...

 *****
    
  
(4) الابن الأصغر


في أحد المصادفات رأيت لولوة مع ابنها الأصغر ، كان يعرج على أحد القدمين ويجرُّ رجله جرّا ،كما أن لديه تأتأة بالكلام ويقول جملا في غير سياقها ...
وكنت أخجل أن أسألها عنه منعا لإحراجها ،حتى ذكرته هي ،وكانت له حكاية فيها من التقصير بقدر ما فيها من الألم :

عندما كان صغيرا بعمر حوالي ثلاث سنوات كان أخوه الأكبر يهزه بأرجوحة في فناء البيت ،فوقع على أحد أحواض الزرع وانشق رأسه بالإضافة إلى قوة الصدمة، ولم يتم إسعافه بشكل مناسب ، ثم غفى واستفاق يسترجع ما في معدته، وكلما مشى خطوة وقع ، فأسعفوه للمشفى ونُوِّمَ فيها حوالي ثمانية عشر يوما ،كان يعاني من نزيف داخلي وارتجاج ، لكن "لولوة" أخرجته على كفالتها دون موافقة الأطباء ، مما أثر عليه وعلى توازنه الجسدي والفكري ، وزاد الطين بلّة وجود خادمة في المنزل كانت تضربه على رأسه كلما طلب منها ولو كوبا من الماء ...

فللخادمات حكاية داخل حكاية دائما ،وجودهن ضرورة في مجتمعهم ومع الوظيفة كان أمرا حتميا ، وكنا نسمع عنهن ما يجعل الوِلْدَانَ شيبا ،سحر وشعوذة وضرب للصغار الرُّضع ،سرقة ووضع أشياء غريبة في الطعام أو الشراب ،أساليب ملتوية في تعذيب ومعاقبة الصغار من الضرب على الرأس حتى يصبح للطفل مشاكل في التعلم والاستيعاب مرورا بالمشاكل النفسية كالعنف عند الأطفال المُعَنَّفِين أو قد تصل أحيانا إلى القتل والفرار في أسوأ الحالات  ...

إحدى الأمهات حكت لي أن خادمتها كانت تُسخِّنُ علاقة الملابس الحديدية وتكوي بها قدم طفلها الرضيع ،وكانت تلاحظ وجود آثار الحرق ولكنها لم تتوقع أبدا أن يكون حرقا ، وعندما طال وجود الأثر الذي يبدو دائما جديدا ولا يشفى أخذته للطبيب الذي قال لها إنه حرق ، وعند مراقبة الخادمة بعد الشك فيها عرفوا السبب ،حتى إنها لم تجرؤ على تعنيف الخادمة خوفا من أن تنتقم بعمل سحر أو قتل أو ما شابه واكتفت بإرسالها لبلدها ...

مؤلم جدا جدا أن تُعامَل الطفولة بتلك الوحشية ،والمؤلم أكثر أن نترك أطفالنا ونهيّئ لهم الظروف ليُعَامَلُوا بوحشية ، نسلمهم لحما وفكرا للخادمة والسائق ونتركهم عرضة للعنف والتحرّش والتشويه النفسي والفكري ...

ويقولون : الخادمة والسائق مُرٌّلا بد منه ..

وأقول : لماذا ؟

ابن" لولوة " كان ضحية الإهمال ، وهي تشعر بالتقصير أيضا وتلوم نفسها ولكن لا ينفع الندم بعد فوات الأوان ،فهي أيضا أهملت شكواه عندما شكى لها من ألم في قدمه بعد أن مرّ إطار سيارة عليها وهو واقف عند المسجد ، وبعد أسبوع لم يستطع تحريك قدمه فأخذته للمشفى وكانت النتيجة أن العصب قد مات في رجله من الفخذ للقدم وبدأ يجرّ قدمه جرّا بعد أن كان يعرج قليلا ،وأكيد أن لولوة لم تسلمْ من لوم زوجها ولا نفسها عن كل هذا التقصير ، ربما كان جهلا وتباطؤاً في الرعاية وهي تقول قسمة ونصيب ، فكانت القسمة من نصيب الابن الأصغر ...

 هو الآن في الثانوي ولكنه يتعرض للهزء والسخرية حتى من المدرسين أحيانا بسبب بطئ فهمه واستيعابه وتأتأته في الكلام ، و وأحضرت له معلمين لتدريسه في المنزل ، ثم أرسلته لمدرسة مختصة بجانب منزل والده ، فأصبح أبوه مسؤولا عنه وعن تدريسه ، وأقام عنده في منزله مع الزوجة الثانية وأبنائها الأربعة ،
يحب أن يشتري لأخوته من أبيه الحلويات والهدايا ،كما أنه يحب جدته (أم أبيه ) ويزورها دائما ، هو لا يلوم أحد ...هو غُصة في حلق "لولوة" ...هو جرحٌ لا يبرأ ...   

***** 


 (5) اللحظة الحاسمة


و يبدو من السهل الممتنع أن تضع النقاط الهاربة على الحروف المقيدة ...

تطلّبَ منها الأمر اتصالات عديدة ومهانة وانتظاراً قاتلاً وتدخُّل أخيها حتى استجاب زوج لولوة وحانت اللحظة الحاسمة ...

قدِمَ إلى بيت أخيها وأرادت أن تكون موجودة لتسمعه وتراه ، لكنه بدأ بسيل اتهامات جارف من إهمالها له وسوء تصرفاتها وعدم اهتمامها بنفسها وأولادها ، سيلٌ جرف كرامة لولوة معه وثقتها بأنوثتها ونفسها ...

وفي النهاية باغتها بقوله : أنت طالق !

ولم يتأخر عن كتابة ورقة الطلاق وأصرّ أن يكتب فيها أنه لم يمسسها منذ سبعة أشهر ... فزاد من إهانتها وكأنه يقول لأهلها (لست مسؤولا لو كانت أختكم حاملا من أحد غيري )...

ابتعلت لولوة كلّ الكأس المرّ وهي تتخبط ، لا تدري أهو الصواب أو الخطأ دفع زوجها لحافة النهاية حتى يتصرف برعونة ...


عندما رأيتها كانت تبدو مهزوزة نادمة ...

قالت :
-        (لا أدري ! لم أكن أعني له شيئا ، ولا حتى أمّا لأولاده ، لم أشعر بالإهانة والإذلال قط مثلما شعرت عند مواجهته ... لم يكن لدي أسلحة أواجهه بها ولا حتى درع أحمي نفسي به من اتهاماته ... ... هل فرّطتُ به حقا ؟
هو جميل هو مثقف و............)


وعادت لذكر محاسنه ، ثم صفاته السيئة كالغرور والأنانية
 ولم أدرِ أكانت لولوة تحبه رغم كل شيء فتتخبَّط في بحر المساوئ والحسنات حتى لا تحزن على فقده ؟ أم أنها ترى نفسها في مواجهة خاسرة دائما ؟

ثم ذكرت لي ذلك العريس الذي ينتظرها لتتم عِدّة الطلاق ، وبأن هدفه ليس راتبها لأنه صرّح أنه سيُسكنها بيته ويسافر معها شهر العسل إلى بلاد أخرى والذي كان -أي السفر- حلمها المُؤَجَّل دائما ...

ذكرته وكأنها تستعيد به الثقة ثانية وبأن لديها فرصة رغم سنها وعدم جمالها - كما لطليقها الفرصة - في محاولة لمواساة نفسها ، وتعود لتقول إنها الآن غير مستعدة لإدخال رجل غريب في حياتها وحياة أولادها ...

وفي رسمٍ بيانيٍّ كانت إحداثيات نقاطه تعلو تارة وتهبط تارة راسمة خطا متعرجا ما بين سلبية الواقع و وإيجابية الأمل  ، تركتني مودعة بتلك الهالات السوداء تحت العينين يوشيان بأرقها وتعبها ، وبثوبها الذي كان مُرتّقا عند الكتف  بإهمالٍ يوحي بعدم المبالاة بزينة الدنيا ، تجرّ أقدامها جرّا وتحني ظهرها كعجوز طعنها الدهر مرارا وتكرارا حتى أناخها ، وتهزُّ يدي مصافحةً شاكرةً أني مستمعة جيدة ، صبّتْ في جعبتي كل حروف ونقاط حكايتها.....

*****



(6) النهاية البداية


بعد لملمة الشتات لم أرَ لولوة لأكثر من أربعة أشهر ، ثمّ طرقتْ بابي ذات صباح شتويّ حضنته أشعة الشمس بحنوّ مخترقةً ركام الغيوم التي كانت تبدو كقطعانٍ تغدو وتجيء راتعة في رُبا السماء ،وكانت تلبس ثوبا سماويا جديدا راسمة أجفانها بالكحل الأسود ،متوردة الخدين ،باسمة الثغر ، لتبشرني بزواجها  وأنّ الأمر تمّ بسرعة حتى إنّها لم تتجَّهز جيدا ،وأنّ أخاها وضعها أمام الأمر الواقع إما أن ترفض الرجل أو توافق فوافقتْ ...

باركتُ لها وأثنيتُ على مظهرها وطلّتها ،ودعوت لها بالسعادة ، ولم تطلِ الجلوس قالت إنها تغيبت عن المدرسة وتودّ أن تذهب لتطبخ له اليوم ، وأنها فضَّلتْ أن يسكن هو معها في بيتها ، ولم تسافر بسبب وظيفتها والاختبارات ...

وبعد شهور أخرى زارتني في العيد ، لكنها لم تكن بذلك البريق رغم محاولاتها أن تكون ، فقد فضحتها الهالات السوداء والنظرات المتهرِّبة من الالتقاء بعينيّ والبلوزة المرتقة التي لا تتناسب وبهجة العيد   ...

سألتها كيف هو قالت :( مُتديّن )...

وانتظرتُ أن تكمل باقي الصفات إلا أنها اكتفتْ بهذه الكلمة  مختصرة كل الصفات فيها ...

كانت عادتها أن تتكلم دون أن أسألها ...

 هذه المرة كانت كتومة فسألتها فقط إن كانت قد سافرت فقالت إنها لم تسافر مُحاولةً تبرير الأسباب ،رغم تلك الرغبة والخيبة العارمة التي كانت تحاول رتقها كذلك الثوب وتحاول جاهدة أن تخفيها في عينيها بحروف لسانها  ...

لم اسألها بعد هذا فما اعتدت التطفل ،لكني دعوت لها أن يعوّضها الله خيرا وأن يكتب لها الأصلح ...


وكانت آخر مرة أرى "لولوة" فيها ، لم تعد تتواصل كما في السابق ، وتتهرّب من زيارتي ، كقُبَّرَة جريحة مكسورة لا تريد أن يراها بكسرِها أحد ، ولا شيء في الأفق الشاسع سوى حلم بعيد تواريه بظلِّها الرمادي غيوم العجز و السّقم ...

كلمة "مُتديِّن" حملت الكثير من الصفات في كلمة واحدة ، وتركت الباب مفتوحا على مصراعيه تصفقه ريح الاحتمالات مُصدرة صريرا غامضا يتسللّ إلى صيوان الآذن هامسا : إنها النهاية البداية ...

***** 


 بقلم : نادية محمود العلي