الخميس، 10 أغسطس 2023

زهرة البنفسج

 زهرة -بنفسج-عطاء-حب-جدب-صقيع-حرب-سلم-بشر


زهرة البنفسج


مددتُ يدي بتردّد لأسحب دفتري من يده المعروقة...

هو أستاذ اللغة العربية القدير الذي يهابه ويحترمه الجميع ، وكان من أولئك المعلمين الذين لا مجال لطالب مهما كان مشاكسا أن ينال من هيبته وقوته ...

خفتُ أن أفتح الدفتر لأرى تعليقه على موضوعي التعبيري عن الزمن الذي كان قد طلب منا أن نكتبه كواجب مدرسيّ ...

لكنّ فضولي هزم خوفي ، وفتحت لأقرأ تلك الجملة التي بقيت محفورة في ذاكرتي سنوات طويلة ، جملة جعلتني أتغيّر ...

كتب بالأحمر :

(أنت وأمثالك يا نادية كزهرة البنفسج ، تعطون في أيام الجدب ، لهذا أنتم متميّزون على غيركم  )

 

بحثتُ عنها ...عن زهرة البنفسج  ، وتماهيتُ فيها حتى الاتحاد ...

بنفسجيةٌ بتلاتها الرقيقة الحزينة، أوراقها قلبية الشكل  ملتصقة بتواضع بذرات التراب كطفل يغفو في حجر أمه ، وتنثر عبقا يدغدغ أعصاب الشم إلى الخلايا الرّمادية ثم يضخ الدّوبامين في الدّم ، يفوح عبيرها في الوقت الذي تموت وتجفّ فيه بقية الأزهار ...

إنها تزهر في أيّام الجدب والصّقيع ،وتذرف دموعها ببطء فتتكاثف

قطراتِ نّدى كلّ صباح لتلمع بتلاتها الصغيرة  برقّةٍ وجمال في الجوّ الغائم ..... 

تعلّمتُ منها أنْ أعطي في الوقت الذّي لا يستطيع أو يتوّقع فيه أحدٌ أن أعطي ...

 أن أتواضع دون ذلّ ...أن أحبّ دون أنانيّة أو تملّك ،و

أن أكون دائما جميلة ونديّة، حتى في وقت الحزن والكآبة....


حريّ بنا نحن البشر في زمن نرتكب فيه المجازر باسم الحبّ والسّلام أن نتعلّمَ من زهرة البنفسج كيف نعطي ونحبّ ...

ونغسل نفوسنا في وقت الحزن ...

في وقت الصّقيع والجدب ..

في وقت السّلم والحرب ..

 

*****

بقلم : نادية محمود العلي  

 

 

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2022

ضجيج السكون

 ضجيج-سكون-صور-ماضي-حرب-حنين-غزل-بنات

ضجيج السّكون

 


 

من قال إنّ السكون ساكن وإنّ الهدوء في السكون ؟!

أليس السكون حالة فيزيائية ؟ أليس حالة فلسفية ؟ أليس حالة اعتياد ؟

ألا ترى الأجرام ساكنة وهي تدور وتغيّر أمكنتها وتضجّ بالسكون ؟

ألم تعتد حركة الأشياء حتى أضحت ساكنة كأنها لا تتحرك ؟

ألم تعتد الضجيج يوما حتى بات سكونا ؟!

لم أستوعب ذلك إلى أن جاءت تلك اللحظة التي انقطعت فيها الكهرباء ، هدأت كل أصوات الآلات من حولنا ، توقف المكيّف والمروحة والثلاجة، وعمّ السكون للحظات ، لكن الكهرباء استمرت في الانقطاع طويلا ، وصارت أصوات الأطفال ومحركات السيارات وصرخات صبية  وعواء كلاب ومواء قطط  تتهافت ضاربة مصاريع الشبابيك ،غازية الأسماع ...

أضحى الجوّ خانقا، ولم يستطع أحد النوم ، لكنّ الكلّ تعب وهدأ وسكن ...

في تلك اللحظة تعالى طنين موجعٌ في أذنيّ كأنه ذبذبات عالية ،لم أعرف أكان من الفضاء  الخارجي أم من فضاءِ ذاتي ،إلا أنه كان يطنُّ بشكل مؤلم واستمر طويلا مع دوام السكون ...

لم يكن أبدا أيّ شيء ساكن ... لقد كان طوال الوقت ضجيج ...

ربما هي الحياة بطبيعتها  ، فلا سكون مع الحياة وربما السكون في الموت ...

لعلّ هذا السكون الثرثار هو الماضي، هو الحنين ،هو أزيز ظلال الأيام ، هو تلك الذبذبات التي تصدر عن تلك الأطلال والجبال الشاهقة حولي ، أكاد أشعر بها وأتصورها كنبضات جهاز مغناطيسي أو كهرباء عالية التوتر أو توّهج مادة مشعة لا أدري ، إلا أنّ موجات غريبة تُصدر طنينا مهيبا تعجُّ في أثير المكان كأنّه المريخ  ...

 جلستُ أقلّب صوّر الماضي ، ووقعت عيناي على عدة منها:

 هذه الصورة : زوجة وزوج ....

عيناها تلك الزوجة ! عيناها أخافتني ! كان فيهما كره وحقد ولؤم وألم ومعاناة ،إلا أنّها كلها كانت ملفوفة ومغطاة بقناع ووشاح من الهدوء الساكن زرعت في قلبي الخوف ...

إلى أي مدى قد يصل الكره  ! وماذا يمكن أن يفعل وراء ذلك القناع !! هل يدرك الزوج ذلك ؟

هذه الصورة : مدينة عريقة ....

هناك في الخلف أبنية دمرها قصف العدوّ وحربٌ غبية ،أبنية بدت ساكنة تضجّ بالخراب ،وشوارع محترقة مشينا فيها ذات يوم ، وفي الأمام رجل عجوز يحمل باقة من غزل البنات الوردي ،اللون الوحيد في الصورة القاتمة ...

لمن غزل البنات يا عمّ ؟ !

لتبيعه إلى ذلك السكون القاتل ؟ إلى الطفولة الموءودة ؟!

بعد 25 سنة لماذا يعود الماضي ؟!

يمدّ يده ويهزّني ،يُفرحني ثم يوجعني ...

ربع قرن تغيّر فيه العالم ، تغيّرت المعالم والوجوه والنفوس والأدوات والألوان  ...

أدركتُ والماضي  يهزُّ كتفيَّ أنه سقيم ، أنه أبيض وأسود ،أنه عجوز علمني الكثير وأعطاني الكثير إلا أنه مات ويجب دفنه كي لا تتفسّخ جثته وتفسد أثير الحاضر ...

لم أعتد أن أدير ظهري ، إلا أنني اعتدتُ أن أمضي دوما ...

عذرا أيّها الماضي ....

 

 *******

بقلم : نادية محمود العلي  

 

 

 

الأحد، 7 أغسطس 2022

جرعة حنين

 حنين-عالم -افتراضي-حقيقي-جرعة-أخ-


جرعة حنين




بين يديَّ عالم وأكوان ... بين أصابعي كل أبجديات العالم ، وأمام ناظريَّ كلُّ جميل وقبيح ...

الجغرافيا والمسافات واختلافات التوقيت طُويت كلها واُختصرت في هذا الجهاز الصغير بين راحتيّ..

عالم افتراضي ! نعم ، لكنه بات واقعا لا يمكن نكرانه ، يبتلع كأفعى ببطء العالم الحقيقي ، فجهازي الصغير ينوب عني بإرسال المعايدات والتبريكات في الأعياد والمناسبات ، والتعازي والتعاطف في الموت والمصيبة ، والأمنيات بالشفاء في المرض ...

بلمسة واحدة أشتري وأبيع وأطلب ، والمال بات أرقاما في بطاقة الكترونية صغيرة .

لا داعي للسفر لزيارة الأهل الذين تشتتوا في كل بقاع الأرض ، فها أنا بلمسة واحدة أتكلم صوتا وصورة مع أخي البعيد جدا ،رغم اختلاف التوقيت لا يهم ،فالليل لم يعد للسُبات والنهار لم يعد للمعاش ...

أخي الأكبر من وراء الشاشة والشَّيبُ يخطُّ شعره المُنحسر ، والتجاعيد تتفنن بفرشاة الزمن في وجهه ، وبصوته الأجشّ يذكرني بأيام الطفولة : " لن أنسى عندما كنتُ أضعكِ على الطاولة أمامي ،لأرسمكِ وأنت طفلة صغيرة "

أبتسم ، أنتعش ،إنها جرعة حنين انتشلتني تلك اللحظة من هذا العالم الافتراضي ...

رفعت رأسي عن شاشة الجوال ،لأرى انعكاس الشمس الغاربة على صفحات البحيرة الصغيرة التي شكلتها أمطار الأسبوع الفائت الغزيرة ...

قرصٌ برتقاليّ ينطفئ خلف السّحاب ، وينثر رذاذ ألوان الطيف المذهلة بين التفافات الغيوم ، ومنعكسا على صفحة الماء الفضية التي تترقرق مع نفخات الرياح ، ليَشوبَ الفضة لمعة الذهب واصفرار النحاس مع ضربة برتقالية احترافية ...

يااااه !!!!  كم سرق منا هذا الجهاز الصغير متعة الإحساس بالواقع ونشوة الحنين ...

 ××××××

بقلم : نادية محمود العلي 

الجمعة، 15 يوليو 2022

الثقب الأسود

ثقب-أسود-هالة-أورا-شباب-حياة-كهولة- 

                                               الثقب الأسود



كان قد أتمَّ السابعة عشر بتلك الروح والعزيمة ،بتلك الهالة التي تحيط به وتجعلك منجذبا لذلك النور في جبهته وتلك الحياة النابضة في عينيه الزيتونيتين ،أتم السابعة عشر وقد أذهل معلميه بذكائه ،والأقارب والمعارف بسلوكه واحترامه وثورة الشباب المتقدة ...

كان يحل مسائل الرياضيات والفيزياء بسرعة وذكاء ويُصحّح الأخطاء وما يعصى على المعلمين في المدرسة ، وكان يساعد والده الفقير في العمل ويساعد زملاءه وكل من يسأله العون ،ولم يكن هناك حدود لتطلعاته وأهدافه ...

 نعم كان ذلك الشاب الواعد المثالي الذي توّقع الجميع أن يكون مستقبله باهرا ذا شأن ،وأن يترك بصمة في تاريخ البشرية ...

السابعة عشر إذن هي الخطوة التي تسبق آخر سنة في الثانوية ، السنة التي تحدد مستقبله في الجامعة والحياة والمسيرة المهنية والاجتماعية ،ولم يكن هناك خوف عليه فهو سريع البديهة وذكي ،سيحفظ عن ظهر قلب وسيحل كل المواد العلمية دون أدنى شك ، سيكون اسمه بلا شك من الأوائل المتفوقين وستكون كل اختصاصات الجامعة متاحة له ،وبدا المستقبل على بعد خطوتين مبتسما فاردا ذراعيه منتظرا  ليضمه إلى أحضانه  ....

إلا أنّ - ودائما هناك : إلا أنّ ، ولكن – كانت هناك بدايات تَحزُّبات جديدة في المنطقة ،والبلاد تترنح بضعف بين براثن السلطة والشعب ،ومُفترسات مُتربّصة تنتظر لحظة الانقضاض ،وشاب مثله كان محطَّ أنظار ؛فبدأت المغريات والتهديدات في حالة الرفض وحتى محاولات للاغتيال ، وبدأ الخوف والأمل والثورة والخنوع والألم والنشوة والعقل والرغبة يحبكون نسيجا قاتم اللون غطى تلك الهالة التي كانت تتوهج حوله ،وكتم الروح بقسوة ، وبدأ الشاب يترنح كالبلاد ، وفي يوم الاختبارات النهائية سقط مغمى عليه وبقي في غيبوبة طويلة ثم استفاق بعد الاختبارات وقد ضاعت سنة التخرج وضاع كل شيء في تلك اللحظة ....

ماتت الروح فعلا واختفت تلك الهالة ولم يعد قادرا أن يعيد الثانوية وكان أسهل الحلول بالنسبة له إغراءات الأحزاب تلك، فأخذوه بعيدا خارج البلاد ، جنّدوه  باسم الدين والوطن والمبادئ ،كان يعرف أنه مات والولادة الجديدة يجب أن تعيش ...

عاش شخصا آخر ...شخصا جديدا .... يكسب قُوتَ يومه من الكلمات الرنانة،واللعب في صدور البسطاء بقذف خطابات الدين الزائفة وفتاوي مارقة ودعوات بدت صادقة ....

الآن على مشارف الستين عاما التي ابتلعت السابعة عشر كأفعى تنقض فجأة تبتلع الفريسة ثم تستغرق طويلا لهضمها ، لم يتبق من فتى السابعة عشرة إلا الحمض النووي للجسد ، تغيّرتْ حتى الصفات الجسمانية ،جسد بدين و شعر أبيض أسقطت الأيام معظمه ،عينان عسليتان مُجهدتان لا حياة فيها ،أعملت التجاعيد أظافرها على الجبهة وتحت العينين ،والشيخوخة استراحت في المفاصل والعظام ....

هل كانت اختياراته من قتل الشاب الواعد وهالة الحياة في الروح ؟ أم  كانت الأقدار التي ساقت في دربه تلك التَّحزُّبات والمفترسات ؟

هل قتلت الحياة تلك الحياة الصغيرة قبل أن يحضنها المستقبل الذي كان واقفا هناك على بعد خطوتين ؟ أم قرارات ذلك الشاب من اغتالت مستقبله قبل أن يحضنه؟

لا أعرف حقا ... أعرف فقط أن تلك الهالة العظيمة صارت ثقبا أسود ابتلع كل شيء ، وحزنتُ جدا .... حزنتُ جدا....

 

  ......


بقلم :نادية محمود العلي 

 

الثلاثاء، 19 أبريل 2022

في ليلة سمر

 

في ليلة سمر




كانت ليلة صيف عتيقة يحلو فيها السمر، تتعالى الأصوات و القهقهات والجميع يتكلم في وقت واحد فتُبتَر الأحاديث ولا تكاد تفقه منها شيئا ، وكنا أطفالا صغارا نجري هنا وهناك وجدتي تؤنبنا لأننا لا ننصت لها ونهدأ ...

فجأة انقطعت الكهرباء وساد الظلام الدامس وهيمن الصمت وهدأ الأطفال وصمت الكبار ، وبدأ السكون والظلام يتسللان إلى مسرح الأحداث. وعند تلك اللحظة هناك في السماء الحالكة بدأت تتلألأ النجوم كحبَّات اللؤلؤ، عديدة كثيرة لا تحصى ، فالظلام يجعلها تشع حتى تكاد ترى المجرة كاملة بعظمتها هناك ...

استلقيت على ظهري ناعسة ،لكن مشهد النجوم أغراني ،فمددت إصبعي الصغير لأحصيها وأعدها : واحد ، اثنان ، ثلاثة .........

 تصرخ جدتي مقاطعة : لا تعدي النجوم ، ستظهر لك ثآليل في جسمك بعددها !

خائفة أسألها : لماذا ؟!

جدتي :قديما قالوا لنا ذلك ...

إصبعي الصغير يتراجع بجانب جسمي مترددا ،أقبضه وأبسطه محاولة العدّ بخوف طفولي، ما بين مصدق للأسطورة ومكذب من دون أن أعرف الجواب ...

قديما قالوا أشياء كثيرة ، وما زالوا يقولون ، يقتلون فينا الطموح وحب المعرفة بالخوف والجهل ، ويجعلوننا لا نتساءل ، لا نفكر، لا نتجرأ ،كقادتنا الملتصقة مؤخراتهم على الكراسي بصمغ الطمع والغرور ،جاعلين من الرعية أغناما تجتر الخيبة والخوف والفقر ،فلا أفق هناك في الوطن ،وأصداف فُصِّلت لكل منا واحدة على القد لإيهامنا بأننا لآلئ بصمتنا وسكوتنا وخنوعنا ، وأننا ننشد السلام ....

 هل فقدتَ الشعور بالوطن حتى صرتَ تستصغر هذي الكرة الضخمة !

هل تضاءلتْ كل مغريات الحياة حتى بتَّ تشعر بالاكتفاء والزهد!

هل حلّقتَ عاليا في سماء العقلانية حتى صرت ترى الناس أحجار شطرنج فتحزر كل نقلة على رقعة اللعبة !

هل وصلت لتلك الحالة الملكية التي صرت فيها تتقبل برحابة كل من حولك !

إذا كان كذلك فأنتَ قد وصلتْ ،ولا تنظر خلفك أبدا ،سيصفعك القديم إن فعلت ، وسيقيدك  الوطن خلف قضبان الإخلاص، ويضنيك الاحتياج للآخر...

هذي هي الحرية المنشودة ...

 

 *****

 بقلم :نادية محمود العلي 

الجمعة، 15 أبريل 2022

رسالة بلا عنوان

 

سأدعوك اليوم يمامتي ،فأنا زيزفونتك أتذكرين   ! 

وتراودني رغبة عارمة بأن أخبرك عني ما لا تعرفين …


هنا يا يمامتي لم تعد جارتي اليمامة ،فقد جاورتني جبال شاهقة عتيقة لا تشيخ ظهورها، من وراءها شمس تغرب ساكبة كل ألوان الطيف بعظمة وخفة كأنامل  فنان لن تضاهي   براعته عبقرية دافنشي، ثم تشرق عند كل صبح قاتلة  عتمة الليل وكانسة كل فتات النوم   الذي ذراه أرق شقيٌّ يعبث كل ليلة في مقتنيات صدري وقلبي …

هنا الزمن يبدو قد توقف ،وغاليتك ماتت مرتين …ماتت افتراضيا وماتت من تعرفين حقيقة

هنا يا يمامتي فقدت الشعور بالواقع وأكاد أقسم أني أعيش حلما في اليقظة ،ولأول مرة   أخاف الموت لأنه مجهول …

تصارعني الأفكار وأصارعها  كالدون كيشوت  ،وتدور تدور مراوح طواحينها مع رياح    الأعاصير والحروب ؛حتى فقدت الكثير من معتقداتي وكأني أخرى لن تعرفين،

وبت بلا وطن تقتلعني دوامات الغربة من الجذور من الجذور ، وهو شعور قاس لو كنت    تعلمين …


يمامتي : ما عليك من جيل الديجتال و الالكترونيات فهم لا يعرفون أن للقهوة سحر غجري، وأن للشمس مغناطيسية عاصفة ،وللقمر خجل عذراء ،وللجبل صمت شاهق … 

هم لا يعرفون أننا نرسم بالحروف وننسج بالحروف …

أخيرا يمامتي أود أن أخبرك أنك بجناحيك الصغيرين دوما تنفضين الرماد لتستيقظ   العنقاء مجددا ومجددا بعد احتراقها وخمودها في رماد نيران الواقع …


لك مني السلام 

والشكر موصول لساعي البريد 

غاليتك نادية



الخميس، 3 مارس 2022

 


راق لي اليوم أن أدعوك بغاليتي كسابق عهدنا قبل بشرى ،

 حينها لم أكن استسيغ اسمك في العالم الافتراضي ،وما اعتدت اسمك الحقيقي بعد ،فركنت إلي شعوري نحوك ، وهكذا كنت ومازلت غاليتي... حتى ينام القمر

بطبيعة الحال لن أسألك عن حالك لأني أقف عليه و أعرف منه المقدار الذي ترضين، ولا يساورني ذرة فضول لمزيد.

كما وأني لست على يقين أن رسالتي تلك ستصلك  ،و على الرغم من ذلك غلبتني رغبتي بالكتابة لك ،ربما تكون رغبة إختبار تجربة ساعي البريد الإلكتروني بعد أن إختبرت معك من قبل ساعي البريد الذي طواه عصر مواقع التواصل.

دعيني أخبرك غاليتي بمفارقة عجيبة ،بالأمس صغيرتي وصفت كل هذا بالهراء والعبث ،قالت أن الوتيرة المتلاحقة للحياة التهمت طاقة القراءة والكتابة لدى البشر ،وأنها على سبيل المثال تصاب بالغثيان في حال أرغمتها على قراءة خاطرة أو نص ،هي تدعي أن هذا حال جيل بالكامل ،و برهنت على تلك الوكسة وقالت.. يا أمي أثناء المحادثة نحن نستبدل مقطع صوتي بالكامل مكون من مجموعة حروف برقم يفي بالغرض ،اما أنتم معشر الكتاب تتخذون للمعنى ألف كلمة إلا كلمة..!

لنا الله ...

ما علينا.... دعينا غاليتي منهم ومن تعجلهم  المقيت فتلك العجلة حقيقة لا تليق بنا ،نحن أتباع فنجان القهوة، نحن من يغرينا الخريف بوريقات برتقالية ،نحن من لنا إلهام في موجة بحر و سحابة عابرة و تغريد حسون ،نحن من إذا راق لنا الصمت يؤنسنا القمر ،و إذا ما فاضت منا الروح  نسهب للنجوم.

هل أخبرتك غاليتي  أن نافذتي الجديدة سكنتها يمامة جديدة ..!؟ هي أيضا تقرؤك السلآم والمحبة.

أيضا أود أن أخبرك أن الجميع هنا بخير _أو هذا ما أود أن أصدق _ بعد كل ما اجتاحنا من زلازل و براكين و أعاصير ، البعض هنا فقد حاسة أو أكثر والبعض الآخر أصابه العرج ، لا بأس ..هكذا أخبرني صغيري  ،قال أني فقط أعاني من بعض خلط فالمفاهيم ،و قصور فالرؤية ،عدى عن ذلك فالأمر مستتب ولله الحمد.

أخيرا وليس آخرا غاليتي... قد علمت بما لا يدع مجالا للشك ،أن ما عندنا ينفد ،وما عند الله باق ، كله كله غاليتي ينفد ،الفوز والخسارة ،المؤازرة و الخذلان ، الحب و الكره ، الإقبال والنفور ،الشهامة و الخسة ،الإنصاف و القهر ، العدل و الظلم ،العجز و القدرة ، الذل و الشموخ ، الإشتهاء و الزهد...... كله مآله النفاد غاليتي.

صادق المحبة و الدعاء غاليتي و إلى لقاء آخر يجمعنا هنا او هناك.



الأحد، 16 يناير 2022


 عزيزي المتوحش المتوحد

تحية طيبة وبعد

لن اشغلك بالسؤال عن حالك ، أعلم  أنه دائما وأبدا ليس لديك متسعا من الوقت لهذا الهراء ،وبالتأكيد الإجابة ستكون بخير ،وإن كنت على يقين إنك لست بخير ،مع العلم أنك البشري الوحيد على سطح الكوكب الذي يجهل ذلك..

أيضا لن اسألك كيف تمضي الأيام والليالي ،اعلم جيدا أن لديك من المهام ما يشغلك حتى قيام الساعة...

 وفقدت الفضول ،فلا يعنيني كيف انسلخت بهذا الكم الرهيب من اليسر حتى بتنا غرباء كأن لم يجمعنا يوما درب  ...


دعني فقط اسألك عني ،هل تعرفني..؛ هل عرفتني قط..!!

من أنا ..؛أين أنا...!!

هل تدرك كم من الزمن مر وأنا هنا..!

مر عمر ...بل أعمار... مر الكثير والكثير من الحكايا ،سكنت الأحداث كلها ،كلا بل أنا من صنعت مشاهدها ورتبتها بالشكل الذي هي عليه الآن ،وفي كل آن


كنت هنا دائما ..منذ الشهقة الأولى، الحرف الأول والخطوة الأولى ،وما قبلهم أيضا كنت هنا...


ترى إلى أي فجوة لعينة تذهب تلك الذكريات.. أي ثقب أسود يلتهمها ويطمس وجودها ،بأي منطق تتساوى لديك مع اللا شيء.

عزيزي البائس الشهي ..

دعني أخبرك عن حالي قليلا... او كثيرا ،سيان كلا الأمرين ،فلن يصلك منهما لا القليل ولا الكثير، بيد أنه لا يعنيك.

إعلم عزيزي أني لست حزينة ،بل أنا في غاية الامتنان لحالي _لله الفضل والمنة_، نذرت القادم من العمر للجهاد ،وما الشهادة في عرف المجاهد إلا تسديد ونصر من الله

يحدث أن انعصف ،يقرصني بين حين وآخر زمهرير الوحدة، فيستعمرني الخوف أو أمارس التيه في غاباته الغائمة لبرهة ،كما يكويني وخز الخذلان ،فينهمر الدمع الغزير لفداحة الخسائر وويل المصاب ، نعم.. يحدث أن يميد بي كوني ،يثير في الغثيان بعض أسئلة على غرار ماذا لو وماذا بعد ولماذا لم يكن  ،وبين لوم ولهفة ، سرعان ما تهدأ العاصفة ،تسكن الاشياء والمسميات والاوصاف داخلي ومن حولي ، فيتلاشى أي أو كل من ذلك ،عندها ادرك كم كبرت ...


كم من السخافات نبتلعها عنوة تحت وطأة شعار "كل حلو ومر يمر لا شيء يستمر"..


عزيزي الأحمق الجبان حد إتقان الهروب والاختفاء في الجحور المظلمة القميئة ،الجحور التي تعيفها نفسك ، بأعلى الصوت اصرخ في وجهك ..كم انت مقزز مثير للاشمئزاز والشفقة معا، فلتحل عليك كل اللعنات التي تنفر منها النفس السوية، أتمنى لك المزيد والمزيد من الشقاء والبؤس والجوع الذي تود  ، أتمنى أن تنال من الوحدة القدر الذي ترضاه نفسك ،فلا تجد من يسمعك ولا من تسمعه ،أرجو لك دوام التحديق فالفضاء الشاسع البعيد وطول الأمل والامد فلا يكبلك حنون ولا يردعك غال ولا حبيب.

وفي ختام الأمنيات أدعو الله أن يصرفني عنك كما صرفك عني وأن يربط على قلبي فلا يضيرني فيك ولا منك.


عزيزي المشغول حد الدوران اسرع من عقرب الثواني اقترب قليلا دعني أسكب في أذنك سرا كالعادة لا يعنيك 

نعم نعم أقترب اكثر عزيزي حتى لا اسمعني فأنا لم أخبرني كما ولن أخبرني أيضا

هل أنت مستعد الآن ... بصوت خااااافت يوازي ولا يعلو فوق صوت الصمت ،يهمس النابض في أذنك وشوشة مفادها اشتقتك يا هذا ولكن...

لي تحت رأسك البائس كتف يلزمني ...ولكن..

ثمة نظرة تعود لي ،اضعتها في عينيك ، كانت تملئ كوني رضا وأمان وحبور.. هل عثرت عليها  جبرا بخاطري..لكن....

ويحها من لكن... لو لم تكن تلك اللكن العنيدة تتجول فالحكايا يمينا يسارا تعيث فسادا ،كنت أخبرتك كم اشتاق صوتك ودهشتك وتلاحق أنفاسك ... لكن..

كنت أخبرتك أني لا أطمئن علي سوى بين يديك ،وأنك الحقيقة الراسخة الوحيدة في عالم غارق فالزيف... لكن..!!!






 



 


الأربعاء، 1 سبتمبر 2021

 


كمد وكبد

نعم نعم ابكي ، أكثر وأكثر ابكي عزيزتي ، بت يطربني منك النشيج، كم يليق بعينيك البكاء، تشع منهما لمعة محببة وبريق يعوضهما عن الحسن المفقود

أنت عزيزتي المسؤول الوحيد عن تلك المأساة، إياك وانتحال دور الضحية، أنت المجرم في الحكاية ومنذ البداية أيضا ، أنت من ألبسها ثوب قصة الحب الضيق، فكم كان جليا حينها أنه لم ولن يناسبها البتة، هي لم تكن قصة حب ، بل والأدهى من ذلك أنها لم تكن قصة من الأساس، أنت وحدك من أراد لها أن تكون، و إصرارك المستميت ذاك هو بالتحديد جريمتك التي تنكرين

كان من الممكن أن نتحاشى هذا العناء المرير إن أدركت بعضا من مفاهيم المقايضة و تبادل المنفعة، بعض قيم على غرار التغافل واللامبالاة كان من شأنها أن تكفينا تكبد تلك النكبة، أتعلمين ..!؟ حتى الأنا ....القليل منها فقط كان كفيلا أن يعصمنا من هذا الإعصار

محض هراء......

لا أدر من ظننت نفسك،،!؟

كيف سول لك عقلك الضئيل حتمية إتيان الرياح بما تشتهيه السفن..!؟،،، يالك من بلهاء 

 بدمع المقل يوما بعد يوم رويت تلك البذرة العقيم في جوفك، كم أنذرتك حينها أيتها الحمقاء، ولم أجد منك إنصات منصف، كان عليك أن تدركي أنها بذرة متصحرة لا تجود بثمر، ولا يرجى منها حتى الزهر، اللآن وقد باتت شجرة ضخمة، ضاربة جذورها في العمق  ، على أغصانها أعشاش  يأوي إليها الطير البهي من كل حدب وصوب، ليس لك عزيزتي سوى التعايش، ولا يحق لك التأوه أو التذمر ..

أدرك فداحة الأمر،  أدرك أيضا استحالة اقتلاعها، كما أعي جيدا وجع التحام جذورها  بالأوصال منك، لكن لعلك أيضا تدركين أن البحر من أمامك والعدو من خلفك ولا مفر لك من الوجع سواء في البقاء أو الرحيل..

أم الآن و قد كان ما كان، أراك تحيين حياة المغشي عليه من الموت ،،،فماذا علينا أن نفعل ..!؟

ها،،،،!؟

هيا أخبريني الآن ... ماذا بعد..!؟


أعلم أن ثمة نصل سكين غير مرئي يشق صدرك ، أخذ موضعه الآن بمنتهى الثبات والتؤدة، أنا فقط من تراه عزيزتي، وهذا القرمزي يسيل منك ببطئ ،وأنا أو أنت ليس لنا من الأمر حيلة ، علينا أن نكمل المسير بغض النظر عن كل شيء ،حتى يحدث الله أمرا كان مفعولا

عزيزتي أنا الناصح الأمين الوحيد الذي تملكين...

لا بأس ربما هي فرصة اللحاق بما قد فات، من الحكمة أن تعي أن النجاة من الطوفان فرض عين، والرضا بالمقسوم عبادة، ضعي عزيزتي الأمور في نصابها الذي تستحق، وكفي عن التخبط والعته  فلن يصل بك إلى مقصد، لجمي هذا النابض البائس فما من أحد يبادله الهوى، هيا عزيزتي انتصبي شامخة بعزة المجاهد، حلقي بذراعيك لأعلى مدى، احشدي بصدرك ذرات أكسجين الكون يا طيبة السريرة ،اهجري البؤس وكفكفي الدمع واجعلي نصب عينيك واحة مستقرها عند آخر النفق، واحة شمسها تدعى سكينة، أرضها ود وسمائها الرحمة، يفوح منها الطيب مسيرة عمر، لعمرك هي النعيم والراحة وما دونها كمد و كبد.


الاثنين، 23 أغسطس 2021




الشغف

بمرور الزمن ننشغل بملاحقة بعض مكاسب.... وبينما تتشبث أصابعنا بهم ينفلت على حين غفلة الكثير من الممتلكات ......
ببيتنا القديم كان يرقد دولابنا ذي الثلاث درف، يرقد بوقار عجوز يحمل بداخله ما لا يقل عن صندوق العجائب غرابة وإبهار ،وأنا الصغيرة التي يقتلها فضول العبث بالأشياء الممنوعة، نعم أعلم جيدا أن هذا العجوز يخبئ الشغف في رفه العلوي وأتحين الوقت الذي تكون أمي به في الخارج، أركض إلى حيث ضالتي وأنا لا أدري هل أنا أسرع أم دقات قلبي، ولسان حالي يردد « يا هذا ....بداخلك شيء يعنيني»، أفتح الدرفة الثالثة وأستعمل الكرسي وأتناول حقيبة أمي المرصعة بالأحجار اللامعة ، وبمجرد أن تلمس أناملي الحقيبة يهدأ قلبي الصغير ،يحل به السرور والسكينة ويتبدد القلق ،تعلو البسمة فوق ملامحي ،تلمع عيني مع انعكاسات لمعة الحقيبة عندما أخرج منها علبة في جراب مخمل أسود مطرز عليه كتابة باللون الذهبي ، تلك الكتابة في حد ذاتها لا تعنيني البتة لكنها من شأنها أن تزيد من لهفتي ، بمنتهى السعادة أفتح العلبة ليفوح منها رائحة والله كأنها الجنة ، العلبة عبارة عن شقين إحداهما مرآة والآخر يضم كل ألوان المجرة التي خلقها الله ، وعلى اليسار تقبع فرشاة صغيرة أستعملها كعصاة سحرية أطبق بها ألوان المجرة على وجهي الصغير ، بسخاء أزرع حدائق بنفسج فوق إحدى عيني وزنابق فوق العين الأخرى ويطرح التوليب في غير موسمه فوق وجنتي ويسيل الكرز من شفتاي ، أتأملني وجمالي برضى وامتنان بالغين ثم لا ألبث أن أجرف تلك الغابات عن وجهي لأرسم لوحات ولوحات لا تقل إحداهن صخب عن الأخرى، وبينما أنا مستغرقة في شغفي حتى أذناي حرفيا،،،،، أفيق وقد سرقني الوقت وأتذكر أنه عليّ أن أزيل آثار العدوان قبل عودة أمي وإخفاء جميع الأدلة التي يمكن أن تدينني بالجرم ، فتهرب الطمأنينة من جديد وأعود أنا وقلبي للركض معا نغسل ونرفع ونغلق ونعيد كل شيء إلى سيرته الأولى، بعودة أمي أظن أن كل شيء على ما يرام ،لكنها بمجرد النظر تدرك ما حدث وبالتالي أنال عقابا شديدا يظل بالذاكرة حتى تغادر أمي المنزل مرة لاحقة ، عندها أكون قد تعلمت الدرس جيدا أو هكذا على ما أظن ....لقد أصبحت الآن أكثر حرصا واحترافية في اخفاء معالم الجريمة وطمس براهين الإدانة فلا تشي بي عيني الملطخة أوالحقيبة الغير مغلقة.

أمي..... لقد كبرت يا أمي !

- اليوم من حيث الخامسة والأربعين أحدثكم ...

- وقفت أمام المرآة وانتبهت أنه قد مر زمنا طويلا لم أمس فيه أدوات التجميل ، ما عادت ألوان المجرة تغريني... أطلت النظر وأنا أفكر متى بالتحديد ولماذا فقدت الشغف، كيف فقدت الأشياء متعتها التي كنا نعهدها..!؟

لا بأس ...فالشغف ليس الفقد الوحيد الذي يحدث أن نختبره مع التقدم بالعمر ، كما أنه ولله الحمد_ كسائر الاشياء_ سيان.... به أو بدونه تستمر الحياة... أو هكذا على ما يبدو ...!


الجمعة، 23 أبريل 2021

 



ابدا ما دامت السماوات والارض، سيظل الراسخون اعينهم ترقب الساعات ،تتحين لحظة هدنة ،والسنتهم تلهج :ان ماذا بعد..!؟
هل زارك الموت؟
هل طرق يوما بابك؟
هل تقاطعت طرقاتكم ذات لحظة؟
ربما عندها تدفعه بعيدا وتكمل مشوارك دون توقف ولن تعيره أدنى انتباه او ربما تدس يدك في جيب معطفه العتيق الذي لا يبله الزمان.. تفتش داخله عن مآرب.. عندها دعني القي عليك من قلبي السلام، واهديك خالص الدعاء، عل السكينة تجاور روحك يوما ما يا مسكين... فلست بصدد الحديث عنك اليوم.
أتحدث عن اولئك الذين يصطدم الموت بتروس ساعتهم فيصيب عقاربها بالتوقف ليحل السكون ويعلو صوت الصمت فتتجمد الاشياء من حولهم
فترى الكون فيك ومن حولك ،كمدينة مسحورة لمستها عصاة سحرية ،سرقت منها النبض وتركتها على حالها
تلك اللحظات هي بمثابة هدنة او استراحة محارب للبعض
هي ولادة لحالة صوفية ..تستقر في الوجدان_ ولو لم تكن عقيدة_ فهي شعور نقي بريء من اي غريزة ،شعور ممتلئ بالنور والطهر و القناعة والرضا والزهد وكل ما هو ابيض يضوع منه المسك
هي فلك كفت اجرامه عن الحركة ان جاز التصور ،في تلك اللحظة بالتحديد يحدث ان تلتقي المواسم، كأن تغتسل زهور حزيران بامطار كانون .. لم لا وقد سكنت الحركة فلا صدام ولا دفع ولا جذب
هي شق في جدار الزمن التليد، يلتقي عندها كلا من الماضي والحاضر متجردين من كل شيء، عندها يا رعاكم الله حقيقة لست ادري ..يا لهول المشهد ... ترى هل نسترسل في ازالة شوقنا للماضي ،نشم روائحه المنسية، نلتقي مبسم بمبسم، ننعش الذاكرة بملامح ضافت عليها السنين خطوط، نلمس تجاويف لم يكن عهدنا بها هنا ...ام نتعجل في قبلات الوداع و نكتب بنود وصية لحقب قادمة و نلوح بكفوف الرحيل مستودعينهم امانة الله ...فالحقيقة لست على يقين إن كان سيسعفنا الوقت ام كعادته عجول، لن يلبث الا وقد رأب الجدار ...واخذت الاجرام مواقعها بقمة الاستعداد لتمارس دورانها المعتاد في الفلك ... و دارت عقارب الساعة من جديد لتعلن للكون اجمع ....ان يا عباد الله .....اسمعوا و عوا والحاضر يعلم الغائب (ما قد جرى ما هو الا ناموس الكون ،هو حكمة الله في خلقه، و الموت ما هو الا سنة الحياة).
لا ينبغي ان تطول الهدنة عن كونها هدنة والا باتت علة عضال وشلل يستوجب العلاج
كما ان قصر الهدنة لن يسمح بتأمل المشهد كما ينبغي بالقدر الذي يسمح بالخروج منه بمكاسب حقيقية ولن يظهر مدى فداحة الاستغراق فالزيف على حساب الرشد.
من الحكمة ان نبتغي بين ذلك سبيلا ومن اوتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا

الخميس، 11 فبراير 2021

من بؤرة الإعصار

خواطر- قصص -شغف-حياة موت - 

من بؤرة الإعصار



ها هو ضوء النهار يحاول كنس عتمة الليلة المتقهقرة للتوّ، وقطيراتُ الندى تنفث ضبابا متصاعدا وهي تتبخّر من حضن الثرى تتلوّى مع انكسارات الضيّ الوليد ...

في تلك اللحظات توقفت السيارة عند تقاطع الطرق على نذير الضوء الأحمر ، وراحت عيناها تراقبان أضواء السيارات الباهتة مع انفلاقة الفجر الخديج ، فبدت أضواء السيارات كالعيون بمختلف الأشكال : هذه تبدو غاضبة وتلك مبتسمة ،وهذي مسالمة وتلك تبدو شريرة كساحرات الرسوم المتحركة ...

وبدت السيارات بأضوائها و بازدحامها كأمواج نهر تجرف في طريقها لآلئ مضيئة وترشق صدر السماء بانبعاثات الكربون ...

تبدو اللحظات بطيئة إلى حين سطوع الأخضر ثم تنطلق السيارة تطوي الإسفلت وراءها ،تميل عند ذاك المنحنى ،وتتخطّى عامل النظافة عند تلك الزاوية ،وتتنشّق ذات الرائحة عند ذاك المنعطف ، ثم تأخذ الطريق في عكس اتجاه الشروق ، وهنا تبدأ ملامح الأبراج البعيدة تظهر من بين سحاب مهيب ، يبدو كأنّه دخان عند الأفق ، وفي كلّ مرّة تعتقد أنها عاصفة هوجاء تتجه نحو المدينة ، إلا أن الأيام والروتين علّماها أنّه مجرد دخان رمادي أو سحاب يغشى الأفق عند شروق كل يوم ،فتبدو أبراج المدينة فيها شاهقة تقطع هاماتها الهيفاء تلك الهالة المهيبة...

 كان هذا المشهد يتكرّر في بزوغ كلّ يوم جديد عند ذهابها إلى العمل ، وكانت ترشف قهوتها ببطء على مزيج أصواتٍ شتى ،هدير ومزامير وأنين رياح تحاول الولوج من نوافذ السّيارة حاملة معها رائحة انبعاثات الكربون والدّخان والغبار فتثقل الرئتين بهواء ملوث، ولربما يعطيها كافيين القهوة الطاقة للنهوض و الاستمرار إلا أن القهوة فقدت نكهتها مع ازدحام المدينة وأصواتها المُنفّرة وتلك الرائحة المقيتة ...

لا تريد أن تفقد شغفها بقهوتها ولا بروتين حياتها ولا بأهداف سعت لتحقيقها وبالتأكيد لا تريد فقدان الشغف بالرغبة بالحياة ، ذلك الشغف لطالما أعطاها القوة والقدرة على الاستمرار ....

"لا بدّ من حلّ " همست لعزيمتها ...

كان الحلّ - رغم ضيق الوقت -  تخصيص وقت قبيل الغروب وعند الانتهاء من كلّ مهام العمل والمنزل للذهاب للتريّض في الحديقة القريبة ، وإطعام القطط فيها، والتعرض لأشعة الشمس ورؤية ألوان أمنا الطبيعة التي حاكتها بمغزلها لوحة فنية تبهر العيون ، إذ إنّ هذه الأفعال تحسَن المزاج وتُشعر بالراحة وترفع من مستوى هرمونات السعادة ...

لفت نظرهم شاب نحيل بشعر مُجعّد وطويل يأتي كل يوم ويطعم ثلاثة قطط صغيرة يبدو أنها فقدت أمها ،كان يجلب الحليب والطعام لها و يمسح وجهها وجسمها بمناديل وماء ، ويداعبها ويبقى بجوارها زمنا ثم يرفع البقايا والنفايات ويترك لها الماء النظيف في علبة و يرحل ...

في كلّ يوم في نفس الموعد يأتي وتأتي معه قطط جديدة ، يبدو أنه وجد شغفه ...

 أطلقتْ على الشاب اسم  "جامع القطط " وأعطتْ اسما لكل قط ّفي الحديقة : الرّمادي ، الأشقر ، الرضيعة المرقطة، الجد، الفضية ، الغليظ ،المتنمر ....

كان ذلك حقا كفيلاً بإدخال السعادة والشغف من جديد في روتين حياتهم ...

مع مرور الأيام توقف الشاب جامع القطط  عن المجيء ، ثم اختفى الأشقر الجديد ، تلاه الرضيعة المرقطة ، و استمرت سلسلة الاختفاءات، فشعروا بالحيرة وتمنوا أن يكون جامع القطط قد أخذهم معه وأنهم بخير لم تدهسهم سيارة أو يؤذيهم أحد ...

خلتِ الحديقة من القطط الصغيرة وبقيت الكبيرة القادرة على عراك الحياة ، إلا أن إناثها كانت تستعد لولادة حيوات جديدة لا أدري إن كانت قادرة على البقاء أيضا ....

لا شيء في الحياة يبقى ساكنا على حاله ،ذرات الكون خُلقت في حالة حركة ،وكل شيء يهتزّ ويتغيّر ويتبدّل وتستمرّ الحياة بكلّ ما فيها ،جِدْ شغفك حتّى في أبسط الأشياء لتعيش بحبّ ، فالموت دائما لا يُمهل ،هو سريع كالعاصفة ساكن كبؤرة الإعصار ...

 

*****


بقلم : نادية محمود العلي